emirtesvoice2052.jpgد. حيدر وقيع الله 

سعدت بالحصول على بعض إصدارات البروف إبراهيم القرشي، وكان من بينها كتاب عادات سودانية أصولها عربية- من وحي اللغة وطرائف التراث ونوادره-  الطبعة الثانية،وفي الواقع ما أن أخذت في تقليب صفحاته حتى أخذتنيالذاكرةإلى أحاديثوأفكار واستحضرتني أسمار كثيرة حول ما احتوته دفتا الكتاب.

وإن كان توجه الكتاب قد جاء واضحافي منهجه ومعالجة موضوعه، فهو أيضا يفتح شهية الاستطلاع ويغري بطبيعة الحاللإثارة السؤالالمتمم لعنوان الكتاب(وماذا عن أصول بقية العادات السودانية؟) وسؤال آخر عن كيفية انتقال هذه العادات إلى السودانيين، بل وسلسلة أخرى من الأسئلة تتفرع عن موضوعات الكتاب.

وفي الواقع فإن جميع هذه الأسئلة تعبر عن استفهامات وجيهة لكل من ينشغل بمباحث الهوية السودانية، وهذه أحد ميزات هذا الكتاب، فهو لا يُقرأ كغيره من الكتببل يُشعر قارئه بمشاركة المؤلف في تدبيج سطوره، ناهيك عما يجد من  متعة بما يفيض به التوثيق واستدعاء صور عديدة من ملامح الحياة النابضة في المجتمع السوداني.

ميكانزم العادات:

تعرفالعادات كسلوكات إنسانية تكرر باستمرار، وهي تعبر عن أنساق ونظم اجتماعية تبدأ كظواهر محددة ثم تتمدد مساحة ممارستها حتىتصبح ضمنالخصائص المميزةلدى أي مجموعة من المجموعات الثقافية، ويتم اتخاذ وسلوك العادة من قبل أفراد المجتمعبنمط يتميز بالسهولة والانقياد والتسليم،وهي لا تكون محلا للجدل وإعمال المنطق إلا لدى قلة لا يؤبهفي غالب المجتمع كثيرا لمشاكستها. لأن في ممارسة العادة راحة للبال واستشعارا للسعادة، وفي المقابل يشعر الناس بالضيق عند منعهم أو التضييق عليهم في ممارسة ما تعودوا عليه وأصبح جزءا لا يمكن فصله عن تصوراتهم عن الحياة.وهو الموقف الذي يعبر عنه بالقول المأثور(من ترك عادتو قلت سعادتو)

ولا يخفى أنه تسود في المجتمعات عادات كثيرة في كل مجالات الحياة، ولا سبيل لحصرها، فهي تنتشر أفقيا لتشمل جميع طقوس الحياة سواء في المأكل أو المشرب وفي الافراح والأتراح وغيرها من الطقوس الممارسة من المحيا وحتى الممات بما تشمله   من جانبي الطقوس المادية والقيمية.

ومما هو معلوم أنه ليس جميع العادات في جانب واحد من الأهمية، فهي تتفاوت في اعتباراتالناس،فبينما يحرص الناس على ممارسة بعضها تتضاءل أهمية جانبآخر لدى آخرين،فيميلون إلى تجاهله وإهماله، وبالتالي تقل ممارسته شيئا فشئياحتى يشيع إلى رحاب التاريخ ليحسب ضمن التراث المتلاشي والمندثر، وهذا النوع من العادات هو في الغالب ما يكون له صلة بالعقائد والأعرافالقديمة التي قد نعرف أو لا نعرف عنها شئيا.

العادات في المهاجر:

في عصر الاغتراب الذي أولاه البروف القرشي كثير من اهتمامه لتجربته في الغربة، فيلاحظ أن حب الاستطلاع يدفع الكثير من المغتربين من مختلف الملل والنحل للاطلاع على عادات الشعوب وخاصة الطقوس الاجتماعية المتعلقة بالسلام والاستقبالوفي الملبس والمشرب، ويبدو أن ملاحظة تلك العادات قد تمخضت عن فكاهات ومادة دسمة للتندر المقبول وغير المقبول ما بين الشعوب بما اعتبره البعض تقليلا من شأن الآخرين.

ويلاحظ أن هذا الأمر لا يخص السودانيين وحدهم، بل يمس كثيرين، وفي هذا السياق تحكى الطرفة الشهيرة التي تقول أن الأوربي والآسيوي اللذين التقيا في زيارة عزيز في المقابر. فتهكم الأوربي على الاسيوي لما رآه ينثر الأرز على قبر صديقه، قائلا هل تتخيل أن صديقك سيقوم من قبره ليأكل هذا الأرز، فرد الاسيوي بذكاء نعم سينهض هذا الميت ليأكل الأرز فقط عندما ينهض صديقك من قبره ليشم الورد الذي نشرته عليه. ولا شك أن قراء الأدب العالمي قد لاحظوا الطرافة في استثمار هذه التناقضات التي رفدها الأدباء الكبار بأخيلتهم وتصوراتهم البديعة.

عادات تتعلق بالنساء:

المرأة نصف المجتمع ولهذا فيمكن القول بأن العادات المتصلة بالمرأة يمكن أن تعدل نصف عادات المجتمع، أو تزيد، ولهذا أفرد الكتاب أهمية خاصة لعادات النساء ومنها عادات الحريم في التزين وتقليب مفرداتها التي عمل المؤلف على تأصيلها  ثم ربطها بأصولها العربية.

ولا ينسى المؤلف من ترصد نماذج من المفارقات التي تعتري ممارسة العادات ففي عالم المغتربات تجارب تروى مع الدخان حيث تتصادم حرص السودانية على ممارسة طقوس الدخان مع أوضاع البنايات الحديثة المصممة على طرز مكافحة الحرائق فما ن تبلغ كثافة الدخان مقدارا حتى تلعلع معها صافرة الإنذار بالعمارات حيث يفتضح الامر ويغشى سكان البناية، ويصيبهم بالحيرة،، إلا أنالأمر يهون عندما يروي البروف القرشي محاسن الدخان وما ورد في التحبيب فيه السنة النبوية السمحة،  مما يفيض به الحديث الشريفعليكم بالعود الهندي أو مجامرهم الأُلُوَّة وبخورهم العود الهندي في حديث صفة أهل الجنة

وفي هذا السياق طرح البروف عددا من المصطلحات السودانية الخاصة بصناعة البخور،كما أفرد المؤلف فصلا للخمرة والدلكة والضريرة، ومن الطريف تأصيله للفظ الخمرة ورده إلى أصول عربية حيث تعني الرائحة الطيبة ويعزز ما ذهب إليه بشاهد يقتبسه من قول الجاحظ في "إنه لم يشم رائحة قط أطيب من خمرة العروس بكسر الخاء" ، أما الدلكة فترجع لأصلها العربي حيث ما زالت تعرف عندهم باسم الدلوك ثم يعرج المؤلف الى معجم الحناء والخضابوغيرها من ادواتالمكياج وزينة العيون والاهتمام بالشعر ووضع الباروكة وما يتعلق بقوام المرأة ، وأورد ما فيها من المشترك العربي.

الشلوخ:

تظل عادة الشلوخ من العادات التي يصعب تبريرها بأي شكل من الأشكال وخاصة خارج دائرة الثقافة السودانية أو حتى للجيل الجديد الذي يمثل عنده وجه الإنسان قيمة جمالية لا تقبل المساومة، فقد لا يقبل الجيل الجديد  بما أورده الكاتب من التبريرات الثقافية للشلخ السوداني سواء باعتباره نوعا من التجميل أو تعبيرا عن تعويذاتقاسية أو حتى استخدامها من قبيل الفرز والتمييز ما بين المجموعاتالإثنية.

الجنة والناس:

ومن العادات السودانية ذات الأصول العربية إسناد الخوارق والابداعات البشرية للجن والشياطين فهي عادة ما زالت ماثلة وممارسة لدى كثيرمن السودانيين فيقال هذا ليس بعمل إنس، وهناك أمثلة كثيرة لذلك منها ما ذهب إليه الشاعر التجاني يوسف بشير:

 قم يا طرير الشباب غنِ لنا غن

يا حلو يا مستطاب أنشودة الجن

وهو يذكر أيضا بالبحتري في وصفهلإيوان كسرى:

 ليس يدرى أصنع أنس لجن  سكنوه أم صنع جن لإنس

أموت ليك:

تعتبر العبارات الاجتماعية التي تسود في فترة من الفترات الزمنية منأصدق العبارات وأبقاها لأنها ما انتشرت ولم تحتفظ بها الذاكرة الجمعية إلا لما تحويه من ذكاء ورشاقة في التعبير في مواقف محددة، وبهذه المناسبة لا بأس أن نتذكر ما أورده عون الشريف قاسم في معجم الألفاظ العامية السودانية وميله لشرح مدلولات العبارات النسائية مثل "كر علي" التي ردها إلى أصل عربي هو "كرهٌ علي" و "بري" من أنا بريء وغير ذلك.

الخوف من العين:

أم الخوف من العين فهو عادة تنتشر كثيرا لدى السودانيين من الجنسين،فحتى الذين لا يرعون لها يحاصرهم بالإقناع من هم حولهم ويقدمون لهم من الأدلة ما يجعلهميرعوون لها ، ولمخافة العين والوقاية منها  طقوس وتعويذات، والخوف من العين يصل ببعضهم الى مرحلة الفوبيا او الخوف المرضي الذي يؤدي الى مهالك لا  تقل عن خطر بعض العيون، فقد شاهدت بعض الاشخاص يركض خلف كل من ينظر إليه ليستجديه لقول "ما شاء الله" مما جعله محل تندر أمام أعين الناس حيث يرفض بعضهم أن يلفظ ما طلب منه فيطيل صاحبنا في التملق والاستجداء، حتى ينشغل بناظر آخر، وأعلم أن صديقي ليس وحده، فقد يشاركه كثيرون في مخافته القاتلة  من الإصابة بالعين.

العصا وسرقة الأحذية

ويدهشنا المؤلف بتقديم العزاء لمن عانوا من الارتباكحين فقد أحذيتهم في مسجد من المساجد، فهي من ضمن العادات العربية القديمة فيبدو أن اللصوص منذ القدم يستفزهم هذا العرض المتنوع للأحذية فتدفعهم اليه نوازعهم الشريرة وفي هذا الصدد يشير المؤلفإلى تعليق القاضيأبي الغانم بن العديم الظريف لدى سرقة حذائه في المسجد.

معنى ومدلول الزول:

وهي اللفظة التي ظلت رديفة لشخصية السوداني وخاصة في المهاجر وخاصة أنها غير مستخدمة لأي فئة عربية أخرى بخلاف السودانيين، ولها مدلولات معجمية أشهرها الإنسان الكريموالجواد والظريف أوالفتى.

أما في باب الغذاء فيورد المؤلف بعض المصطلحات الغذائية بما فيها المندثرة او ما في طريقه للاختفاء مثل أم تكشو والمريسةوالموص والمديدة، مع ترسيم شكل العلاقة والتفاوت ما بين البعدين السوداني والعربي في المدلول الحقيقي للفظة. 

ولا ينسى الكتاب الإشارة إلى عادة ربط الخيط للتذكير الذاتي حيث يستحضر من الأمثلة والأشعار ما يؤكد أصالة هذه الظاهرة لدى العرب منذ القدم. وهي من العادات التي تتجه الى التلاشي بعد أن اصبح العالم يمتلئ بأشكال من المفكرات الإلكترونية ونغمات التذكير التي تنطلق من الأجهزة المتنوعة.
 محاكمة العادات:

وهنا يجدر أن نشير إلى ما يذهب إليه كثيرون في محاكمة العادات والتقاليد بمنطق براغماتي قح يستدل بمدى المنفعة المتحققة من ممارسة العادات، ومن غير ريب يذهب كثيرون لالتماس العذر لبعض من المتشككين، لأنهم في واقع الأمر لا يجدون الإجابات عن الأسئلة التي يثيرها فضولهم لدى من حولهم أو من خلال الأدب المتيسر، وبالرغم من كل شيء فلا بد من الاتفاق على عدم إخضاع العادات في أي مجتمع من المجتمعات للمحاكمة الصارمة، فمن الحكمة بل ومن الضروري التفهم التام للظروف التاريخية و الأنساق التي تكونت فيها تلك العادات، والتعرف على الدور الذي تلعبه العادة في حياة الناس، فلا شك أن ما خفي من امر العادات أعمق وأعظم.

وختاما:

حسنا فعل البروف القرشي بمبادرته في استقصاء العادات السودانية، فالكتاب بتشعباته يعد من المباحث الأصيلة في دراسات المجتمع السوداني، فضلا عن تماسه من زوايا عديدة بعلوم التربية وعلم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا، وليس أجمل من ذلك التقريظ الرائع الذي زين صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى بقلم العلامة عبد الله الطيب. وكل الأمل أن يكون هذا الكتاب مدخلا وملهما لدراسات أخرى.

ثقافة وفنون

مجتمع وبانوراما