h 400x400حمور زيادة كاتب سوداني من مواليد مدينة أم درمان. بعد حرق منزله على أثر قصة كتبها عن تعرض أطفال لاعتداءات جنسية، توجه إلى القاهرة حيث أصدر مجموعته القصصية الأولى «سيرة أم درمانية»- 2008، ورواية «الكونج»، ورواية «شوق الدرويش»، الحاصلة على جائزة نجيب محفوظ للآداب 2014، إضافة إلى وصولها إلى القائمة القصيرة للبوكر العربية 2015 وقد صدرت بالتوازي مع مجموعته «النوم عند قدمي الجبل».

هنا حوار معه:
> في رواية «الكونج» لتعدد الرواة دور بارز، وهو أمر مرهق ويحتاج إلى رؤية عميقة لكل شخصية، فكيف عملت على ذلك؟
- ربما كان ذلك هيناً، لأنني كتبت عن عالم أعرفه، وشخصيات عشت مع أشباهها. لقد علَّمنا أساتذتنا في الأدب أن نكتب عما نعرف، كما قال نجيب محفوظ. وماركيز كان ينصح بالكتابة عما عايشه الكاتب لأن القارئ يستطيع أن يميز بين الحقيقة والخيال. ليس بمعنى أن يصبح الروائي صحافياً ينقل الواقع كما هو، لكنه يستمد شخوصه من أناس من لحم ودم عرفهم.
> «الكونج» قرية متخيلة، وهي البطل الفعلي للعمل، بالإضافة إلى الغرائبية، فإلى أي مدى تأثرت بأدب أميركا اللاتينية؟
- لا أظن أن هناك كاتباً من جيلنا لم يتأثر بأدب أميركا اللاتينية وبالسينما. في أجيال سابقة كان الأدب الأوروبي مؤثراً. لكننا أتينا في مرحلة أميركا اللاتينية المشابهة لنا في ظروفها. الفقر، الدكتاتوريات، الأساطير، الأسرة الممتدة. هذه بعض عوامل تشابه ما بين المنطقتين تتجاوز المحيط الأطلسي.
> تبدأ رواية «الكونج»، وكذلك «شوق الدرويش»، بجريمة قتل لتدور بعدها الأحداث والحكايات... لماذا كان القتل عصب حكاياتك؟
- لا أعرف الإجابة بدقة. ربما هذه الملاحظة تجعل ما أكتبه أقرب إلى أدب المغامرة أو الجريمة؟ لكني فعلاً لاحظت أن الموت، سواء بقتل أو بشكل طبيعي، حاضر في كل ما أكتب؛ حتى في القصص. روايتي الجديدة التي لم تنشر بعد تبدأ بمشهد موت أيضاً. ربما أنا أخشى الموت جداً لذلك أكتب عنه. ربما هو بالنسبة لي بداية جديدة لشيء ما، لذلك تبدأ به أعمالي. وربما أنا فقط أحتاج لعلاج نفسي.
> يقولون إن الكاتب حين يستعير من الماضي فهو بالضرورة إسقاط داخلي على الحاضر، فكيف نرى الربط بما جرى في ثورة المهدية وما يدور اليوم؟
- ليست الثورة المهدية وحدها التي يمكن ربطها بما يدور اليوم. نحن في منطقة من العالم عالقة في فخ التاريخ. بشكل ما تمَّت برمجتنا على أن أفضل أيامنا هي التي مرّت. هذا في حد ذاته ليس أمراً سيئاً. المشكلة أنهم علمونا أن مستقبلنا الجيد عليه أن يستعيد الماضي. وهذا أمر غريب. العصر الفكتوري مثلاً في بريطانيا كان يعتبر عصراً ذهبياً. لكنك لن تجد بريطانياً يتمنى أن تعود الحياة إلى ما كانت عليه في ذلك الزمن. هو عصر ذهبي بمقاييس واقعه. بينما نحن ننتظر أن نعيد الزمن، ونريد الحاكم العادل الذي ينام تحت الشجرة، ونتخيل المجد هو غزوات وفتوحات. لا نكاد نتعامل مع معطيات عصرنا. لذلك فإن المشاكل القديمة نفسها التي حدثت قبل قرن أو اثنين نعيد إنتاجها. في مصر مثلاً عقب الثورة العرابية كانت هناك حادثة شهيرة في الإسكندرية، حادثة المالطي، حيث فتك الأهالي بالأجانب. استخدمتُ هذه الحادثة في رواية «شوق الدرويش». لكن ألا تجدها مشابهة بشكل ما بالتحريض الذي وقع على الأجانب بعد ثورة 25 يناير؟ لقد دعا أحد المغنيين المصريين إلى القبض على أي أجنبي في الشارع وتسليمه إلى الجيش! أليست مصادفة غريبة؟ ستجد المواضيع التي تثار في الشارع العربي عموماً لا تختلف عن فترة التنوير قبل قرن من الزمان. ما زلت تحتاج لنقاش مساواة المرأة بالرجل. وأن عقلها ليس أصغر حجماً. وليس لديها غدة تجعلها أكثر عرضة للنسيان. ما زلنا نحتاج لإثبات أن الديموقراطية الليبرالية هي أفضل نظام حكم وأن الشمولية لا مكان لها في هذا العالم. مُدَّ يدك في التاريخ العربي، اختر أي صفحة تشاء، ثم افتح أي صحيفة يومية وستجد المواضيع نفسها. عندما قُتل الداعية الشيعي حسن شحاتة في مصر قبل سنوات، ألم يذكرك ذلك بما رواه ابن كثير في تاريخه عن أحداث الكرخ التي تتكرر سنوياً بين السنة والشيعة والقتل والسحل في الشوارع على الهوية؟ ليست الثورة المهدية التي لها إسقاطات، تاريخنا كله ما زال يعيش معنا. فالكتابة عنه هي كتابة في صميم الحاضر.
> الانتقام كان سيداً للرواية ومحركاً أساسياً لتصاعد أحداثها، فممَ كان ينتقم «بخيت منديل»؟
- لعله كان ينتقم من نفسه. ربما كان ينتقم من واقع وعصر كامل اضطهده وجعله لا شيء. ربما كان فقط ينتقم لحبيبته بلا أي عمق آخر. المهم أن الانتقام كان رد فعل. وفي الحياة غالباً ما تكون ردود الأفعال هي العامل الحاسم في مجرى التاريخ، أكثر من الأفعال نفسها.
> تناولت الرواية فكرة العبودية باسم الدين، وأثرها على الجميع، من يصدق ومن يعارض... فكيف ترى تأثير الدين على الإنسان، وكيف يحركه؟
- الدين هو تنهيدة البشرية المعذَّبة، كما قال كارل ماركس في عبارته الشهيرة التي ختمها بأن الدين أفيون الشعوب. تلك الكلمة التي أُسيء تفسيرها وتم ابتسارها وتحريفها. لكن كما قال ماركس، فإن الدين هو ما يعين المظلومين على تحمل الظلم، وهو ما يحفز الثائرين على رفض الظلم. فالمسألة ليست الدين، بقدر ما هي شكل التدين. هذه مسألة كتب عنها عبد الجواد يس كتاباً ممتعاً... جاء العلم ليقلل من غموض الحياة ويشعر الإنسان بقدرته على امتلاك الحقيقة من دون الحاجة إلى التفسيرات الغيبية. هذه كانت صدمة للعالم بعد الثورة الصناعية. لكني أظن أن كل شخص في حاجة إلى عقيدة ما. شيء ما يطمئن به هواجسه. دعني أقل لك إني أحب إيمان العجائز. ذلك الإيمان الهادئ المطمئن غير المشغول بأسئلة كثيرة، لكنه متصالح في الوقت ذاته مع عالمه. يبدو فاتناً خلاباً. لكن من أين نحصل عليه؟
> هناك نماذج إنسانية في «شوق الدرويش» استقرت وتطورت ونضجت مع الاحتلال فصارت هجيناً، وأخرى جامدة لمستعمر يرى نفسه المنقذ والمُخلص... نحن أمام انقسام، فهل تكشف لنا عن أثره؟
- أظن هذا انقساماً عايشته المنطقة العربية كلها في فترة الاستعمار. بين نخب اقتربت من المستعمر ثقافياً، ومجموعات رأت أن ما يأتي به المستعمر شر كله. والمستعمر نفسه كان متفاوتاً في مواقفه. بين المعلم والمستغل والمتعاطف. لكن خطابنا القومي ما زال أسير مرحلة التحرر الوطني كأننا ما زلنا نعيش في الخمسينات والستينات. وهناك في الجانب الغربي أيضاً من ظلَّ يحمل مواريث تلك الفترة ويعتبرنا منطقة أقل من أن تستحق الديموقراطية الليبرالية والحياة الحرة.
> أنت كتبت أكثر من مجموعة قصصية بالإضافة إلى روايتين، فما الأحب إليك؛ القصص أم الرواية؟ وكيف تعمل على مجموعاتك القصصية؟
- حاولت كثيراً أن أفاضل، لكني لم أجد إجابة محددة. أنا أحب القصة حين أكتبها. وأحب الرواية حين أكتبها. لا أظن أن هناك نوعاً أحب إليّ من الآخر. على رغم أن سوق الرواية أوسع ومحبيها أكثر. لكني أستمتع بكتابة القصة. في النهاية المسألة بالنسبة لي هي متعة الحكي. هناك حكاية تبدو أمتع لو حُكيت بأسلوب القصة. وحكاية متعتُها في أن يتم «فرشها» لتصبح عالماً روائياً كاملاً.
> هل يمكن أن تكشف لنا عما لا تزال تطمح إليه أدبياً؟
- إن هاجسي الوحيد للكتابة هو مقاومة الفناء. لا أريد أن أنتهي عندما أموت. أظنه الهاجس الذي يظهر عند البشر الطبيعيين في حب الذرية وتمرير الجينات. ابن يحمل اسمك. لهذا كانوا يفضلون الذكور لأنهم يمررون الاسم ويحيونه. أنا أظن الخلود هو بالكتابة. هذا هو طموحي الأدبي. لا أظنك التقيت بأحد أحفاد شكسبير. ولا يذكر أحدنا أين ذهب أبناء همنغواي. هل كان له أبناء أصلاً؟ لا أذكر. ما اسم ابن ماركيز الأصغر؟ خلود هذه الأسماء بأعمالهم الأدبية. فكتابتي هي محاولة كي لا أفنى. قد أنجح في ذلك. وربما لا. لكنني سأحاول.
> ماذا عن عملك المقبل؟
- رواية تدور في قالب فانتازي ستصدر عن دار «العين» في القاهرة، ربما قبل نهاية هذا العام إذا سارت الأمور كما هو مخطَّط له.

(عن أسرار الاسبوع المصرية)

ثقافة وفنون

مجتمع وبانوراما