29_2_1.jpgإذا أردت أن تلخص الإبداع بكلمة أو عبارة واحدة فهي «اللاتوقع». فالقدرة على التخييل التي تقود إلى إنتاج غير العادي والروتيني والمتوقع هي الصورة الأجلى لمفهوم الإبداع بأي شكل كان، سواء في الفنون الأدبية أو البصرية أو في تجليات الحياة المتنوعة والمخترعات والعلوم.
يقول الفيلسوف الإيطالي والروائي امبرتو إيكو إن «الكاتب يكون مجيدا عندما يأتي باللامتوقع في ذهن القارئ»، وإلا فعليه أن يتوقف عن الكتابة، فمغامرة الإبداع أو الكتابة هنا لا تعني أن تعيد وتكرر ما سلف الانتباه له أو التعرف عليه، وهذا يعني أن تحاول وتجرب ولا تشعر باليأس أو تصاب بالملل في سبيل اكتشاف «اللامتوقع».
والفنون الإبداعية كما الاكتشافات العظيمة التي غيرت التاريخ الإنساني من المحراث إلى الحاصدات الحديثة في الزراعة هي نتاج عقل يقوم على تفكيك العادي ورفضه رغبة في الجديد والمختلف، وهذا عماده الخيال الذي هو مصدر الطاقة الخلاقة لدى الكائن البشري، وربما يكون الفارق المركزي بين الإنسان وغيره من المخلوقات على ظهر البسيطة.
إن تبدع يعني أن تتخيل بشكل جيد وأن تغادر المحطات المألوفة وأن تنفصل عن رهان المكرور والمعاد بأن تنمي ملكة الاختيار المختلف والمتشابك والمغامر، لأن الأشياء الجديدة والمختلفة في التاريخ الإنساني التي تغير من فيزياء الحياة ليست وليدة صدفة بحتة إنما هي نسيج عمل دؤوب وتمرين للذات واشتغال على الموهبة والتحرك باتجاه الهدف البعيد.
كذلك الإبداع يعني ألا يكون الإنسان أسير الاختيارات المحدودة والشعور بأنه مسجون أو محبوس داخل أفكاره، إذ يجب عليه أن يطير ويغرد وينمي كل ما بداخله لكي يتحرر تماما ويصبح ذاتا لها قدرة على الإضافة والحذف، التجديد والابتكار، التفكيك والبناء لعام آخر وليد.
إن حيوية الكائن الإنساني يكمن سحرها وقوتها في الخيال والإبداع وسوى ذلك هو العكس؛ هو الارتهان للموت الأبدي والجمود والغفلة الوجودية، بحيث أن المرء في نهاية المطاف يصبح عالة على الحياة لا إضافة لها، ليمثل صانعا للأدوار الروتينية والمعادة، في حين أن جوهر وجوده الحقيقي يقوم على الخلق والإبداع وتفجير الطاقة الكامنة فيه التي وهبها له الخالق في أن يضيف لهذا العالم ويجعله أكثر ثراء وقيمة ومتعة وجمالية وتفردا.
لهذا فإن الفنون والعلوم والآداب وكافة الصور التي تُجلي النفوس وتعيد صياغتها إنسانيا من خلال الخروج عن إطار العادي، تصبح ضرورة في عالم اليوم بأن تُغرس لدى الأجيال من سن مبكرة، وأن يتحول الطفل إلى سلاح للنماء والمستقبل وأن يتحرر من كافة القيود التي تجعل نفسه مقيدة أو سجينة بلا طاقة، وهذا موضوع معقد آخر يقوم على كيف ننشئ أجيالا حرة.

ثقافة وفنون

مجتمع وبانوراما