761عماد البليك

بدلا من أن ينشغل الحاج بطقوس الحج والفريضة المقدسة، أصبح مشغولا طوال الوقت بالتقاط صور «السيلفي» وبعضهم أسرع لبث فيديو سريع مباشرة «على الهواء» مع توفر هذه الخاصية من قبل السيد مارك.

الغريب أن الكاميرا التي كانت قبل سنوات ليست طويلة مثار جدل، هل هي حرام أم حلال؟
هل التصوير يجوز أو لا يجوز؟
هل الصور هي آيات شيطانية؟
كل ذلك تلاشى بضغطة زر، أو لمسة على الشاشة المسطحة للهاتف الجلاكسي.
الحج وخاصية السيلفي، هي جزء من تحول ضخم في صيغة العصر، وفي المفاهيم والرؤى الإنسانية، حتى المقدس صار مندمجا في تلافيف الحياة الحديثة متسارعا مع تسارع الحياة وما يعتمل فيها من تطور عموما.
ومن ناحية أكثر بؤسا، حتى العمليات «الإرهابية» أصبحت توظف فيها التكنولوجيا والتقنية الحديثة وبأبرع صور ممكنة!
التكنولوجيا والمقدس عنوان، موجز لما وراءه من التفاصيل اللانهائية، من مشهد مكة المكرمة في القرن السابع الميلادي أيام البعثة الأولى وإلى صورتها الراهنة وهي مدينة الحداثة والعصرنة والبنايات الشاهقة والجسور العصرية وشبكات الـ«واي فاي»، ما يعكس لنا كيف يتطور العالم ويذهب سريعا إلى مساحات جديدة غير متوقعة أو متصورة في الماضي. ربما القريب جدا.
هذه المشهدية دليل على أن المقدس والديني قادر على احتواء واحتمال ما هو أعمق في تصورات الإنسانية، من مجرد محاولة تضييق لحظية يصر عليها أي كائن متشدد أو إنسان يحاول أن يحشر الحقيقة في ركن قصي أو يُقيّدها بفكر محدد دون سواه.
فلينعم الحجاج بهذه اللحظات وليشهدوا المنافع؛ ما يجعل العلاقة الدقيقة والخاصة مع العالم الرباني، تتخذ أكثر من مجرد التضييق والتقييد، لتكون هي الانطلاق الحقيقي نحو العالم الكوني الرحب، بأن يكون الإنسان هو ابن الكون وسيده. وهو ما يفتح المجال لوعي أكثر حداثة لموضع الذات في كينونة الحضارة والكونية والمطلق الآثر.
إن الإنسان وهو ينفتح عبر الأزمنة والأمكنة عبورا وطاقة، لهو قادر على أن يكتشف ذاته بشكل أفضل وأعمق، من خلال التعايش الصادق مع اللحظة، من غير أن يصبغ ذلك بما فوق الطاقة والمحتمل من محاولات القيد والارتهان للصرامة التي عنوانها، ضد الذات، وضد المعنى.
ومن هذا الإطار، يكون لصور وتفاصيل الحياة داخل وخارج المقدس أن تكتسب الحضور والكثافة التي تمنح الحيوية والصفاء للإنسانية، أن يكون الإنسان هو ابن الحضور. ابن حقيقته المكتسبة من عصره، وأن يجتاز القيود والرهانات التي تصنمه، بأن تربطه إلى التاريخ دون فاعلية.

ثقافة وفنون

مجتمع وبانوراما