292211-AnokhiBaatphotofile-1321368008عماد البليك

استشهدت وزيرة خارجية النمسا كارين كناسيل، أثناء حديثها باللغة العربية، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في #نيويورك بكاتب ألماني يدعى برتولت بريخت أو بريشت.

وأشارت إليه بأنه تحدث عن "وجود بعض الناس خارج النور، وآخرون في النور (تحت المجهر)، ونحن نرى من هم تحت الضوء، ولا نرى من ظلوا خارجه".

وهذا يعني أن الناس مطالبون بأن ينظروا إلى أولئك الذين يعيشون خارج دائرة الضوء، من المعذبين والمقهورين، وإيصال صوت الذين يضعف صوتهم في الوصول إلى الآخرين.
برتولت بريخت أو بريشت

لقد كان بريشت الذي ولد بمدينة آوغسبورغ الألمانية، في 10 فبراير 1898 وتوفي في 14 أغسطس 1956 شاعرًا وكاتبًا ومسرحيًا ألمانيا، مارس كل هذه الفنون ليقاوم بها المنفى في حياته، فقد غادر الرجل ألمانيا بعد أن وصل النازيون إلى السلطة في مطلع عام 1933.

وكانت النازية قد قامت بتكميم الأفواه والكلمات الحرة، فمنعت طباعة وعرض مسرحيات بريشت، التي تتسم بالسخرية، ومنعت بالتحديد مسرحية كان قد أعدها للعرض على "مسرح الشعب" تحت عنوان "رؤوس مستديرة ورؤوس مدببة"، وهي عمل يسخر بشكل مبطن من النازية.

حريق الرايخستاغ

شكّلت عملية حرق مبنى #البرلمان_الألماني (الرايخستاغ) في 27 فبراير 1933 بداية الخطر الذي شعر به الكاتب المسرحي والشاعر بريشت، بأن يفكر بالفرار من هذه الوضعية المقبلة، حيث أدرك أن النازية سوف تطارد الشيوعيين، والديمقراطيين، والمناهضين للفاشية، أي كل الذين يقفون ضد صوتها.

واستخدم هذا الحريق كدليل من #هتلر على أن الشيوعيين والمناوئين له يخططون لمؤامرة ضد الحكومة الألمانية، والدليل أنهم عثروا على عاطل هولندي شيوعي داخل المبنى نسبت إليه الجريمة بأنه دخل البلاد لنشاطات سياسية مناوئة.

في اليوم التالي للحريق، فرّ بريشت إلى براغ، هربًا من النازيين، حيث بقي في المنفى قرابة 18 عامًا، متنقلًا بين براغ، وفيينا، وزيورخ، والدنمارك، والسويد، وفنلندا ومن هناك إلى #أميركا.

مضايقات في المهجر

لم يسلم بريشت من المضايقات حتى خارج بلاده، ففي الدنمارك كانت الشرطة في كوبنهاغن على كثب منه وعلى اتصال ببرلين، لكن محاولات الحكومة الألمانية النازية لاستلام اللاجئين السياسيين لم تفلح، وبهذا نجا بريشت.

وفي الولايات المتحدة وفي تاريخ 19 سبتمبر 1947 تم استدعاؤه للمثول أمام "لجنة النشاط المعادي لأميركا" سيئة السمعة، وأيضا مرّ الأمر بسلام.

وقد اتخذ بريشت من المهجر كمسار متصل له، في مواصلة مناهضة النازية، إذ لم يحد عن هدفه فيما واصل إبداعه الكتابي والشعري، وكان يأخذ دوره ككاتب بكل جدية.

الإخلاص للكتابة

في صيف عام 1933 زار بريشت باريس، ونفذ عمل الباليه الذي كتبه باسم "الخطايا السبع الرئيسية للبرجوازيين الصغار"، وفي العام نفسه نقّح مسودات مسرحيته التي كانت سببًا في هروبه من ألمانيا "رؤوس مستديرة ورؤوس مدببة" وقام بنشرها في الدنمارك.

وفي عام 1934 نشر في باريس مجموعة شعرية عنوانها "أغنيات، قصائد وأناشيد"، وفي العام نفسه أصدر في أمستردام كتاب "القروش الثلاثة" الذي أعد منه لاحقًا مسرحية "أوبرا القروش الثلاثة".

حلم العودة

طوال كل هذه السنوات التي قاربت العقدين ظل معلقًا بالوطن، ينتظر لحظة العودة إلى هناك، حاله حال كل اللاجئين، في حين اختلف عنهم بالحساسية المفرطة التي سكبها في نصوصه.

وفي البدء كان قد اعتقد بأن سفره مؤقت، لكن الرحلة طالت به، وقد كتب في البدايات يقول:

"لا تدق مسمارًا في الجدار
ارم بمعطفك فوق الكرسي!
لماذا تتموّن لأربعة أيام
وأنت عائد غدًا؟ إلخ"

وظل يوظف جهده في مخاطبة مواطنيه لمحاربة النازية، وانشغل بالتواصل مع الداخل عبر برامج إذاعية ومنشورات وغيرها، لكن ذلك كان صعبًا، فكتب بديلًا لها: "المصاعب الخمس إزاء كتابة الحقيقة".

ومما جاء في تلك المصاعب "من الضروري التحلي بشجاعة كتابة الحقيقة، حيثما قمعت، والتعرف عليها بدهاء، مهما كان مخبؤها مستعصيًا، وبفن تحويلها إلى سلاح وباحتيال يمكن من بثها، وبالبصيرة الضرورية لاختيار أولئك الذين ستكون الحقيقة أكثر فاعلية بأيديهم".

وظل يحارب الانتظار بالكتابة ولم يعرف اليأس، ليرسم نفسه كواحد من أهم كتاب المسرح في العالم، كذلك يقدم أدبًا غير مصنف مثل عمله "حوارات المنفيين" الذي تتلاشى فيه الحدود الفاصلة بين الفنون الإبداعية.

عمارة

حوارات