a4e1f7ee-86eb-4dfd-9551-9e0680b6b88b 16x9 1200x676.pngالمصدر: العربية. نت – عماد البليك

يعرف عباس بن فرناس بوصفه أول من حاول الطيران في التاريخ، برغم أن هناك قصصاً تشير لآخرين حاولوا الشيء نفسه، إلا أنه الصورة الأسطع لذلك الحلم الذي راود البشرية.

رغم أنه صنع لنفسه جناحين مقلدًا الطيور وطار بالفعل لمدة من الزمن بالقرب من قصر الرصافة في قرطبة، إلا أنه سقط وأصيب ببعض الجروح تعافى منها بعض فترة، إذ أخفق في عملية الهبوط بسلام؛ رغم نجاح تجربة الطيران لمسافة جيدة.

تجربته هذه بقيت علامة مهمة وألهمت الكثيرين ليواصلوا هذا المشروع الهام في سبيل أن يرتاد الإنسان آفاق الفضاء ويصنع الطائرات الحديثة والمسبارات الفضائية.

كان سبب سقوط ابن فرناس يتعلق ببعض الشروط التقنية في الجناحين اللذين قام بصناعتهما، إذ أهمل أهمية الذيل في الهبوط.

غير أن الإسهام العلمي لعباس بن فرناس يتعدى ذلك، الأثر الذي ما زال لصيقا بالأذهان إلى عدة إسهامات علمية أخرى في علوم الفلك واختراعات أهمها قلم الحبر والنظارة الطبية وتطوير صناعة الزجاج المستخدم للأغراض الطبية والفلكية.

جمع ابن فرناس منذ وقت مبكر في حياته معارف جمة في الاهتمامات العامة له ما بين الكيمياء والرياضيات والفلك والشعر والموسيقى والطب والصيدلة ليشكل روحًا موسوعية من بين علماء جيله في الأندلس.

نشأة وبدايات "حكيم الأندلس"

اسمه أبو القاسم عباس بن فرناس بن التاكرني وتعود جذوره إلى #الأمازيغ في بلاد #المغرب_العربي، ولد في تاكرنا التي نسب إليها والواقعة في منطقة رندة بالأندلس في زمن حكم الأمويين لها سنة 810م وتوفي في قرطبة سنة 887م حيث لا يزال جسراً مشهوراً إلى اليوم هناك يحمل اسمه تذكيراً به.

ويشار إليه في المصادر الغربية باسم "أرمن فيرمان" لكن ثمة من يرى أنهما شخصان مختلفان.

تلقى علومه الأولية في قرطبة التي نشأ فيها ودرس بها على يد عدد من العلماء حيث نال معارف أولية في الفلسفة والكيمياء والفيزياء والفلك.

ترقى في العلم إلى أن أصبح من علماء البلاط بمعاصرته الأمراء الحكم بن هشام وابنه عبد الرحمن وحفيده محمد، وقد كان الحكم ثالث الأمراء الأمويين في الأندلس.

وقد قام الأمير عبد الرحمن بن الحكم باتخاذ عباس بن فرناس من خاصته في العلم لاسيما في علم الفلك وبات يُطلق عليه لقب "حكيم الأندلس" للشهرة التي كسبها بين الناس.

يضاف لذلك أن ابن فرناس كان شاعرًا لا يشق له غبار، فقيها في العروض وفي فنون الموسيقى وكان عازفًا مميزًا لآلة العود، كل هذه الأسباب جعلته محببًا للأمراء وقريبًا منهم كذلك.
الاهتمام بعلم الفلك وقبة "البلانتريوم"

كان لابن فرناس اهتمام كبير بعلم الفلك وبرع فيه وقد كان نتاج ذلك أن ابتكر قبة سماوية تحاكي ما يعرف حديثا بسينما "البلانتريوم" التي تسمح بمراقبة شديدة الشبه للسماء في شكلها الحقيقي ومعاينة الأجرام داخل صالة مغلقة في مشهد تخيلي.

ولهذا الغرض فقد بنى ابن فرناس في منزله هذا الشيء منذ وقت مبكر في غرفة جعل سقفها يحاكي السماء في المساء، ليرى الزائر داخلها النجوم والأجرام المختلفة والسحب والصواعق والبرق ويتعرف على كافة التكوينات الكونية المدهشة.

هذه النماذج التقريبية للسماء كان يقوم بصناعتها وتركيبها بنفسه في معمل خاص به واشتهر بها.

ابتكارات وإسهامات أخرى

قام ابن فرناس بابتكار العديد من الاختراعات منها بعض أنواع بندول الإيقاع كالتي تستخدم في الساعات، كما طور الساعة المائية المعروفة باسم "الميقاتة".

بيد أن أهم الابتكارات التي قام بها تتمثل في تطويره طريقة غير مسبوقة لتصنيع الزجاج الشفاف من الحجارة، الذي استخدم في العديد من الصناعات.

كما أنه وفي هذا الإطار من الأبحاث كان أول من صنع النظارات الطبية مستخدما عدسات تصحيح الرؤية.

وقام كذلك بتطوير طريقة تقطيع أحجار المور والكريستال الصلب التي تستخدم بلوراته في صناعة العدسات والمناظير الفلكية ما ساهم في دعم أعمال الفلك في تلك الفترات، وقبله كان هذا العمل شاقًا جدًا وقد استفاد الأوروبيون من طريقته الجديدة في التقطيع وتم تطبيقها في القرون الوسطى وإلى اليوم.

أول من صنع قلم الحبر

هو كذلك أول من صنع قلم حبر في التاريخ عندما قام بتصميم أسطوانة متصلة بحاوية صغيرة يتدفق عبرها الحبر إلى نهاية الأسطوانة المتصلة بحافة مدببة للكتابة.

وكان هذا الاختراع حيويًا ومهمًا في التاريخ الإنساني، وفيه دلالة الانتقال من عصر الكتابة بالريشة إلى القلم الحبري الذي سوف يغزو العالم بعدها في أوروبا، عندما يطور بشكل أفضل.

كذلك صنع وطور بعض الآلات الهندسية كالمنقلة.

قصته مع الطيران.. بين الواقع والخرافة!

بالنسبة لتجربة الطيران التي قام بها وارتبط اسمه بها في الأذهان، فقد كان عباس بن فرناس قد سبق تلك التجربة بدراسة حركة الطيور وأجنحتها وكيف ترتفع في الجو ومن ثم أجرى العديد من العمليات الحسابية في هذا الإطار، من حيث الأوزان والسرعات والرياح وغيرها من المسائل الدقيقة إلى أن صنع الرداء الكاسي الذي قام بلباسه وطار به وكان قد صنعه من الريش وحوله الأكمام، ليشبه في شكله الجناح.

قام بالقفز من مكان مرتفع ونجح فعليًا في التحليق لبعض من الزمن، لكن إغفاله لأهمية الذيل في عملية الهبوط أدى لسقوطه وإصابته في الظهر، وقد تعافى وعاد ليواصل حياته تاركا تجربة جديرة بالنظر.

من الجلي أن ابن فرناس لم يقم بتجربة الطيران من وحي الخيال بل سبقها بالعلم والتقصي والحساب، كما أنه كان يروج لها في بيوت العلم في قرطبة، إلى أن قدم مغامرته الرائعة والخطرة في الآن نفسه وأمام الملأ حيث سبقها إعلان وشاهدها جمع غفير من الناس، والتي لم يكررها ربما لأمور تتعلق بانزعاج نفسي جراء ما فسر على أنه إخفاق، وكذلك بعض من السخرية التي قد يكون قوبل بها من معاصريه.
مقلدون وتجارب أخرى في الطيران

يشار إلى أن هناك من حاول تقليد ابن فرناس فيما بعد وهو أبو العباس الجوهري العالم اللغوي المعروف المتوفى سنة 393هـ حوالي سنة 1003م حيث قام بمحاولة للطيران في نيسابور بخراسان وسقط ميتًا من على سطح منزله، رغم أنه صنع جناحين من الخشب محاولًا الطيران لكن يبدو أنه أخفق في الحساب والناحية العلمية بخلاف ابن فرناس الذي كان أكثر دقة.

اتهامات بالزندقة والشعوذة

يمكن الإشارة كذلك لجهود ابن فرناس في الطب والصيدلة حيث درس خصائص بعض الأمراض وتوصل إلى علاجات لها عبر الأعشاب والنباتات وكان قد اتخذ كذلك طبيبا لدى قصور الأمراء في الأندلس، وكان يشرف على طعامهم والوجبات الغذائية.

في فلسفته قام منهجه على التحقق من النظريات شاجبًا القبول بالأمور الظاهرة والمبسطة حيث لابد من قراءة ومعرفة ما وراء الأمور ودقائقها.

وقد اتهم عباس بن فرناس جراء ما قدمه من حيل واختراعات على أنه مشعوذ ومجنون، وقام حساده والجهلاء بالوشاية به إلى أن أوصلوه إلى القاضي سليمان بن الأسود الغافقي الذي عقد مجلسًا وحكم عليه بممارسة الشعوذة، وكان من رد عباس أن ما يقوم به هو العلم وليس السحر أو الشعوذة وضرب مثلا بقوله لمعارضيه:

"لو أتيت بالطحين ووضعته بالماء وعجنته، ليكون منه العجين، ووضعته على النار في التنور ليصبح خبزًا، وهو مختلف الحال، أيكون ذلك مُحَرّماً أم لنفع الناس؟ فقالوا: لنفع الناس. فقال: هذا ما أصنعه لاستخرج ما ينفع الناس" فحكم القاضي ببراءته.

لكن لم تنته المؤامرة هنا إذ زج به من جديد متهما بالزندقة وحوكم أمام العامة بالمسجد الكبير وتمت تبرئته، غير أنه ضرب إلى أن أغمي عليه.

ومضى الرجل مخلفًا أثره إلى اليوم كما في قرطبة حيث يجلس الجسر المسمى باسمه الذي افتتح في 14 يناير 2011م، على نهر الوادي الكبير وفي منتصفه تمثال لابن فرناس مثبّت فيه جناحان يمتدان إلى نهايتي الجسر، وهو من تصميم المهندس الإسباني خوسيه لويس مانثاناريس خابون، وفي رندة، افتتح مركز فلكي يحمل اسمه.

عمارة

حوارات