b4d93d78-91a9-4ec0-b84c-c4db041f9ae9 16x9 1200x676عماد البليك

يعتبر رفاعة رافع الطهطاوي من قادة النهضة العلمية والأدبية في مصر في القرن التاسع عشر الميلادي، وقد عاش في الفترة من 1801 إلى 1873، وهو من مواليد مدينة طهطا، التي ينسب إليها وتقع بمحافظة سوهاج في صعيد مصر.

وقد سافر رفاعة الطهطاوي إلى باريس في فترة مبكرة عام 1826 ضمن بعثة مكونة من 40 طالباً لدراسة اللغات والعلوم الحديثة وكان في منتصف العشرينات من عمره في عهد محمد علي باشا.
الطريق إلى الخرطوم

لعل البعض لا يعرف أن الطهطاوي قضى فترة من حياته في السودان، وذلك في عهد الخديوي عباس الذي حكم ما بين 1848 و1854، وذلك لخلاف بين الطرفين في بعض الروايات نتيجة وشايات.

وكان عباس الأول قد أغلق "مدرسة الألسن" التي أنشأها الطهطاوي واستمرت تعمل لمدة 15 عاماً، وذلك لعدم رضاه عن سياسات العهد السابق في عصر جده محمد علي وعمه إبراهيم باشا.

وفي عام 1849 أغلقت المدرسة التي زاوجت بين معارف الشرق والغرب وصبّ فيها الطهطاوي خبرته الباريسية، وجاء الإغلاق بعد عام من تولي عباس الأول الحكم، ليجد الطهطاوي نفسه في الخرطوم.

وقد صدرت أوامر لرفاعة بالذهاب إلى السودان لتولي نظارة مدرسة ابتدائية هناك إبان العهد الثنائي التركي/المصري، الذي استمر من عام 1821 إلى 1885 بدخول قوات المهدي الخرطوم وتحريرها.

منفى أم حياة جديدة مع الترجمة؟!

كأن الأمر أشبه بمنفى لرفاعة وإبعاد له عن مصر، لكنه استغل وجوده في السودان بعمله على ترجمة رواية فرنسية شهيرة باسم "مغامرات تليماك" أو "مواقع الأفلاك في وقائع تليماك" لمؤلفها القس الفرنسي فينيلون.

وقد صدرت طبعة ثانية لها في عام 2000 عن مطبعة "دار الكتب والوثائق القومية" بالقاهرة، وقدم لها الدكتور صلاح فضل، رئيس دار الكتب والوثائق المصرية وقتها.

وقد استغرق الطهطاوي الفترة ما بين 1851 و1854 في ترجمة الرواية المذكورة، التي اعتبرها النقّاد في عصرها صورة فاضحة للملك لويس الرابع عشر، حيث تضمنت نقداً لاذعاً وحاداً لسياساته.

ونشرت الرواية لأول مرة عام 1699، وقد عاش مؤلفها في فرنسا في الفترة ما بين 1651 و1765، وهي تقتبس من شعرية هوميروس، وتدور في فلكه، حيث تختتم الرواية بانتصار البطولة وقيم العدل والحرية.

ويشير فضل إلى أن أسلوب ترجمة الطهطاوي يكشف عن الجهد المضني الذي كان يبذله ليجمع بين الدقة والأمانة للأصل والصياغة الأدبية الرفيعة للتعريف.

إنشاء المدرسة وتذمر من الحال

وفي الخرطوم تعامل الطهطاوي مع الواقع الجديد وعمل على إنشاء المدرسة الابتدائية، وكان عدد المنتظمين بها نحو 40 تلميذاً نالوا الإشراف المباشر من مديرهم وتعهدهم بالرعاية الخاصة.

وقد تكون هذه المدرسة صغيرة قياساً لجهد ومشروع كبير كمدرسة الألسن التي ودعها الطهطاوي في مصر، إلا أنه أخلص لهذا العمل الجديد.

لكن على عكس ذلك شعر الطهطاوي يعكس روحاً متذمرة جراء ما حصل معه ونفيه إلى السودان، فقد كتب قصيدة يصف فيها حال فترته هناك بالخرطوم فيها غضب على كل شيء، بما في ذلك الناس والطقس في البلاد، وأبلغ تلخيص لذلك قوله:

وما السودان قط مقام مثلى
ولا سلماي فيه ولا سعاد

وهذا الشعر يكشف عن شخصية رافضة للواقع الجديد، حتى لو أن ممارساتها مع الناس كانت مختلفة، غير أنه من الجلي أن الطهطاوي كان ناقماً على ما حصل معه من إنهاء مشروعاته في مصر.

وصف الحياة السودانية

يصف الطهطاوي في قصيدته المذكورة، مظاهر من الحياة السودانية مثل البطان، وهو جلد العريس بالسوط في يوم فرحه، إذ يقول:

ويضرب بالسياط الزوج حتى يقال
أخو بناتٍ في الجِلاد

كما يتعرض لظواهر اجتماعية كالختان والبغاء وغيرها.

وقد انتهت إقامة الطهطاوي في السودان عام 1854 حيث عاد إلى القاهرة بمقتل عباس الأول، وأسندت إليه في عهد الحاكم الجديد عدة مناصب تربوية.

وتبقى فترته في السودان خصبة بالكثير من الذكريات والروايات التي يمكن أن تحكى، في حين أن القليل ما هو معروف عنها في ظل ضعف التوثيق والاهتمام.

عن العربية نت

عمارة

حوارات