368د. سميّة عزّام

ليس بالهيّن أن يقرأ الناقد بموضوعيّة محكيّات، أو يوميّات تحفر في ذاكرة من بثّها في نصّ سرديّ. نصّ يُكتب علي بقايا الذات المنهكة، هاربًا من ذاته ليتعالي باحثًا عن شيء آخر خارجها، في بحثه المستديم عنها. يبحث عن معماريّة وحواريّة تتقاطع فيها الخطابات، وتتجاوب الأصوات، وتتداخل الأزمنة المتقاطعة مع الجغرافية.
لعلّ السؤال الأبرز من ضمن الأسئلة المطروحة فيالسّيرة الرّوائيّة،»قد لا يبقي أحد»‬ للكاتب السوري هيثم حسين هو سؤال السعادة بوصفها الغاية الإنسانيّة المنشودة. يجيب به الكاتب، عبر دوّامة أسئلة، عن سؤال طرحته أغاثا كريستي في كتابها »‬تعالَ؛ قل لي كيف تعيش؟» يدقّ هيثم حسين باب الذّاكرة ليستحضر روح الماضي، ويستدعي مآزق الحاضر في رهانه علي المستقبل المحدوس، في وصف مشاعره من غير تحليل الأسباب والعلل. كيف يعيش؟ أهانئًا وسعيدًا؟ يجيب بأنّ السّعادة نسبيّة، تتمثّل في لحظات ومواقف نتيجة أخبار سعيدة،لا ترسم خطًّا تصاعديّا أو شكلًا كاملًا لصورة السّعادة المتخيّلة في الأذهان؛ فلحظات السّعادة هي فواصل الحياة الّلغويّة، يشبّهها بعلامات الترقيم التي تهندس سيل الكلمات وفوضاها المتناسلة. تلك الصّورة الرومانسيّة للسّعادة موؤودة بسلسلة الانتظارات والخيبات »‬لنازح القرن الجديد».
عبر ثلاثين عنوانًا جزئيًّا ليوميّاته وتجاربه في مدن شتّي، يجول الكاتب بين الذكريات بذاكرة مفتوحة علي أفق المستقبل، في مسار ارتحاله في المكان وعن المكان؛ لا يجد ما يؤنسه في اغترابه وغربته سوي كتب صادق أصحابها وتعزّي ببعض مقولاتها. فلم يستطع التخلّي عمّا يتّصف به من حسّ نقديّ؛ فبرز في مسروده ناقدًا، حفلت أوراقه بأسماء كتّاب يتقاطع مع رؤاهم، واكتظّت باقتباسات من أعمالهم في محاولته أن يتصالح مع نفسه والأمكنة. ما يدعونا إلي التساؤل عن تداخل الأجناس الأدبيّة، في زمن يحفل كلّ يوم بتجارب جديدة تقضي برصدها بعيدًا من قواعد قبليّة، بل إنّها تخلق قواعدها بنفسها.
تتوالي الأسئلة في دوّامة كالأيّام المكرورة التي تبين في السّرد. فالتكرار وليد الدّفق الذاتي، والتشظّي بين الأمكنة وفيها؛ حيث تتخلّق صور الوطن المشتهي، والهويّة، وعلاقة الأنا بالآخر ضمنًا. وتُستدعي معاني الثّورة والحرّية، في وصفه لمسلسل اللجوء، وحالة أسره للانتظارات التي لا تنتهي. التكرار في سرد التجارب استدعت كتابة تشريحيّة وقلمًا كالمشرط لا ينمّق؛ فلا تزويق في الكلام ولا تزييف للحقائق، وصاحب التجربة هارب من الممالأة والنفاق، كما يعلن. يبتغي ذرّ الملح علي الجرح كي يمعن في انتفاضته. في هذه المقام، أقتبس من كتاب »‬معذّبو الأرض» لفرانز فانون قوله: »‬عندما يجد المثقّف نفسه عاجزًا عن إقامة أي علاقة حقيقيّة بالمكان، أو عاجزًا عن تحقيق التّوازن النفسي المطلوب مع ما حوله، يضطر إلي العودة للحلم، وللذكريات، ولأيّ ماضٍ يعيد إليه بعض التّوازن».
3194-large defaultتتبدّي الكتابة هنا، ثورة علي الدّاخل بموازاة الثورة في الخارج. كان الوطن، كما يعبّر، سوق نخاسة معاصر، فصارت الثورة سوقًا سوداء علي الضفّة الأخري. وعن تجربة الحرب واللجوء يقول الكاتب متهكّمًا وبشيء من الحرقة، بأنّ الحرب كانت نعمة للبعض؛ فقد حرّرتهم من الفقر والحرب والجهل معًا في عبورهم إلي ضفّة الأمان، إلي القارّة الأوروبيّة بخاصّة. غير أنّه يطرح السؤال حول واقعيّة اندماج الّلاجئ في مكانه المستجدّ، باتّسام الهويّة قيدًا وإن هاجرت مع الراحلين، وباتّصاف طالب اللجوء منقسمًا علي ذاته بين أن يري الهويّة وهمًا يعظّمه، أو يشعر أنّه من دون هويّة تميّزه ظلًا ليس إلّا.
»‬أنا السّوري، مادة للإعلان والإعلام والتّسوّل والشّفقة» جملة ترسم خلفيّة ما بان في واجهة ما كتب. لكنّه يستدرك ليعلن تحرّره، في لجوئه إلي بريطانيا، من كثير من الأوهام التي كانت تستوطن تفكيره ممّا يدور عن عالمه في الشّرق وعن العالم الذي وصل إليه في الغرب. ويدعو السّوري للعودة إلي الأدبيّات الفلسطينيّة. وماذا عن العربي بعامة؟! نسأل، في عودتنا إلي اقتباس من الزعيم الهندي »‬سياتل» ضمّنه محمود درويش في قصيدته »‬خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة»، وفي تطريس علي قوله »‬لا موتي هناك.. هناك فقط تبديل عوالم»؛ فلا منفي هناك.. هناك فقط تبديل عوالم.
هل هي محاولة عبور إلي ذاكرة عادلة وسعيدة من خلال كتابة المعاناة، بما هي ذاتيّة وجماعيّة، وبما هي محمّلة بعبء تاريخي للأكراد، ونزف راهن للشعب السّوري؟! وهل هي مواءمة مع عبارة محمود درويش في قصيدته »‬طباق»: »‬أدافع عن حاجة الشعراء إلي الغد والذكريات معًا»؟
هذا الكتاب ،الصادر عن دار ممدوح عدوان ليس أدب رحلة، أو يوميّات في المدن والمنافي، وليس أدب محكيّات، أو رواية ذاتيّة وحسب، بل هو كلّ ذلك مجتمعًا. وإذا جاز لنا تسمية هذه الظّاهرة الأدبيّة التي أفرزتها الظروف السياسيّة والاجتماعيّة الرّاهنة، بما يغشاها من تهميش ونفي واقتلاع وتهجير ولجوء، وما يجلّلها من أسئلة مقلقة تطال الوطن والهويّة والذات والسّعادة، فسنطلق عليه »‬أدب التّرحال والارتحال».

عن أخبار الأدب

فنون وتشكيل

محطات إبداعية