محمد بوعزة
ham 0
يسرى الجنابي:

تحتاج قراءة الخطاب الروائي تأويليا إلى الاطلاع على أهم المدارس النقدية التي حاولت تفكيكه، حيث يحمل هذا الخطاب كغيره من الخطابات الفنية أبعادا مختلفة، تتجاوز مادتها الفنية واللغوية، إلى النهل من الأيديولوجيا والفكري والاجتماعي والسياسي والنفسي وغيرها من المصادر، التي تخلق عالما لا يتوقف تأثيره عند حدود التأثير الجمالي.

حاول الناقد والباحث المغربي محمد بوعزة في تجربته النقدية صياغة مقترح معرفي موسع للخروج بالسرديات من مأزقها البنيوي، وهو المقترح الذي انبنت عليه أطروحة كتابه “هيرمينوطيقا المحكي: النسق والكاوس في الرواية العربية”، بتقديم تصور معرفي يدرج السرد ضمن أنساق شمولية، معرفية وثقافية وتأويلية تتجاوز البعد البنيوي المحدود، وذلك من منطلق فرضية نظرية تسلّم بتجاذب الجمالي والثقافي، وجدليات المتخيّل والقوة، وديناميات الكتابة والرغبة.

في أحدث كتبه “تأويل النص: من الشعرية إلى ما بعد الكولونيالية”، الصادر مؤخرا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يُعنى بوعزة بتفكيك إشكالية القراءة في نماذج نظرية متعددة، كالهيرمينوطيقا السردية عند بول ريكور، وسوسيولوجيا الرواية عند ميخائيل باختين، والسيميائيات عند جوليا كريستيفا، وسيميوطيقا القراءة عند أمبرتو إيكو، والتفكيك عند جاك دريدا، والقراءة ما بعد الكولونيالية (الاستعمارية) عند إدوارد سعيد.

كما يسعى إلى توضيح استراتيجية القراءة التي يقترحها كل أنموذج، باستجلاء المفاهيم المؤطرة لسيرورة اشتغالها، واستقصاء المرجعيات التي تقف وراء أسسها. يتألف الكتاب من خمسة فصول، يقترح بوعزة في الفصل الأول، المعنون بـ”نحو هيرمينوطيقا سردية”، منظورا تأويليا للسرد، ينطلق من اعتباره أنموذجا للصوغ الذاتي للذات وللعالم، ذلك أن السرد، حسب بول ريكور، واستنادا إلى شعرية أرسطو، يكشف عن جوانب شمولية في الوضع الإنساني.

محاولة للخروج بالسرديات من مأزقها البنيويمحاولة للخروج بالسرديات من مأزقها البنيوي

وتكمن أهمية الهيرمينوطيقا السردية عند ريكور في تجاوزها المنظور التقني الشكلاني إلى السرد الذي كرّسته البنيوية، فهو يُعدّ خطابا رمزيا لا ينفصل عن الجهد التأملي في لغز الوجود، لأن ما تُنتجه الذات من قصص يتيح لها أفقا رمزيا لتمثيل تجربتها وتمثلها، أي تأمّلها وتصوّرها في سياق معرفي جديد هو عالم النص الذي تخلقه الحبكة السردية، عندما تنقل التجربة من سياق زماني يتميز بتشتت حوادثه، وتنافر عناصره إلى سياق تخييلي تنتظم عناصره المرجعية في إطار بنية الحكاية، ما يكسبها أبعادا فنية ودلالية جديدة.

يتناول بوعزة في الفصل الثاني، الموسوم بـ”نحو شعرية سوسيولوجية للرواية”، الأنموذج الحواري الباختنيني، بوصفه خاصية محايثة للنص الروائي. وتكمن أهمية هذا الأنموذج في طبيعته الدينامية، فهو يقيم استراتيجيته في القراءة باعتباره فعل مراجعة لانغلاق الشكلانيين الروس وشكلانية مقاربتهم الأدبية للنص من ناحية، وفعلا نقديا حواريا يعيد النظر في النزعة المادية الآلية للفكر الماركسي في تفسير النصوص الأدبية، بكونها انعكاسا لوقائع أيديولوجية خارجية من ناحية ثانية. وقد مكّن هذا الوعي النقدي المزدوج بوعزة من صوغ أنموذج حواري في قراءة النص الروائي قادر على فهم خصوصية أيديولوجية النص الروائي، بتأكيد كون الشكل الحواري نقطة الارتكاز في كل تأويل للأيديولوجيا في الرواية.

ويقف الناقد في الفصل الثالث، الذي يحمل عنوان “نحو سيميائيات تفكيكية”، على الأنموذج السيميائي الجديد عند جوليا كريستيفا في قراءة النص، الذي تقترح من خلاله علما جديدا للنص تسميه “التحليل الدلائلي”.

وتكمن قيمة هذا العلم الأدبي، من المنظور المعرفي، في أنه يمثل أنموذجا ديناميا تستخلصه كريستيفا من محاورتها نماذج معرفية وفلسفية متعددة، كالأنموذج اللساني (سوسور وبيرس)، والأنموذج التحليلي النفسي (فرويد ولاكان)، والأنموذج الماركسي (ماركس وألتوسير). وهو الأنموذج الذي أتاح لكريستيفا أن تطور علما للنص منفتحا على حدود التقاطع بين السيميائيات والمادية الجدلية والتحليل النفسي والفينومينولوجيا ونظرية الأدب والنسوية.

في الفصل الرابع، الذي يفرده لـ”استراتيجية التأويل”، يقدم المؤلف هذه الاستراتيجية المنبثقة من معضلة التعدد، ويتساءل فيه: هل التعددية متناهية أم لامتناهية؟ ويحاول تفكيك هذه الإشكالية من خلال قراءة مزدوجة تواجه بين البرنامج التأويلي عند إيكو، الذي يقوم على مرجعية سيميوطيقية، والبرنامج التأويلي عند دريدا الذي يتأسس على فلسفة التفكيك.

أما في الفصل الخامس، المعنون بـ”دنيوية التأويل: من جماليات التمثيل إلى سياسات التمثيل”، فيبحث بوعزة في استراتيجية القراءة التأويلية التي وضع أسسها إدوارد سعيد في نقد الثقافة الغربية، وأطلق عليها مصطلح “القراءة الطباقية”، وهي قراءة تنطلق من تفكيك النص بوعي متزامن يفرض على النص ازدواجا خطابيا، يتيح له قراءة ما هو مسكوت عنه. أي أن هذه القراءة تمارس نقدا من الداخل للنظرية الغربية، ومن ثم تمارس استراتيجيتها النقدية بوصفها إعادة قراءة تفكيكية، تُبنى على وعي ما بعد كولونيالي بمفهوم الاختلاف بين التواريخ والثقافات، يمكّنها من إحداث انزياح داخل الإبيستمولوجيا الإمبريالية التي صاغت ضمنيا تصورات النظرية الغربية عن الآخر، وتحكّمت بتمثيل صوره وعلاماته.

عن العرب اللندنية

فنون وتشكيل

محطات إبداعية