الدكتور ذوقان عبيدات-أرشيفيةالدكتور ذوقان عبيدات

مخطئ من يقول كان عندنا مادة فلسفة في مناهجنا، فما كان عبارة عن مذكرات في الفلسفة وضعت على عجل في صفحات لا تزيد على سبعين، بطباعة تختلف عن طباعة الكتب وتم الغاء هذه المذكرات سنة 1976.
ومخطئ من يقول أن لهذه المادة أثراً على الطلاب، فهي مادة قررت للصف التوجيهي، وكان مطلوباً حفظها لتقديمها في الامتحان، وليس بعلمي أننا اجرينا حوارات فلسفية في مدارسنا!
وعلى أي حال، ازدادت المطالبة بتدريس هذه المادة مرة أخرى، وكثرت العرائض المقدمة أو المعدّة لهذا الغرض.
وأرجو بهذا الصدد أن أقدم عدداً من الملاحظات:
1 -ليس من شك أن مادة الفلسفة ضرورة حياتية، على المستوى النظري والمستوى العملي، فلم يعرف شعب حقق تقدماً من خلال عدائه للفلسفة، فالفلسفة طريق للنهضة بالتأكيد، وإن غياب تدريس الفلسفة يثير شكوكا حول حرية التعليم وديمقراطيته، بل حرية المجتمع وقيمه. فالفلسفة إذن ضرورة، وهذه مسلمتي الأولى.
2 -يتطلب تدريس الفلسفة إعداداً لنجاحها، وهذا الإعداد يعني توفير منهج غير تقليدي لهذه المادة وتوفير معلم يستطيع تدريسها. والمنهج التقليدي للفلسفة يركز على مفهوم الفلسفة وغاياتها، بدءاً بسقراط وأرسطو وافلاطون، مروراً بالفلسفة عند العرب، وفلسفة الأديان، وفلسفة عصر النهضة وصولاً الى الفلسفات العقلية والوجودية والبنائية والبرجماتية الحديثة.
هذا المنهج في تاريخ الفلسفة ليس هو المنهج المطلوب، وحين أعلنت الجامعة الأردنية عن إدخال مساق الفلسفة حذّرت من الإنزلاق إلى المنهج التقليدي، ومع الأسف هذا ما كان وما حصل فعلاً.
إذن مسلمتي الثانية هي بناء منهج فلسفسة يرتبط بغايات الفلسفة لا بتاريخها ومدارسها. فإذا كانت غاية الفلسفة التفكير والحكمة والشك والنقد والبحث وإنتاج الفكر، وبناء الإنسان، فإننا يجب أن نفكر في منهج يرتبط بهذه الغايات!
3 -أما معلمو الفلسفة، فإنني أعتقد أن وزارة التربية كان لديها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي ألوفاً من المختصين تم تهجيرهم إلى المغرب بعد إلغاء مادة الفلسفة، وواقع الحال الآن : ليس لدينا معلمو فلسفة مختصون إطلاقاً، لكن الجامعات وخاصة الأردنية تخرّج عدداً مهماً من "الفلاسفة"، لكن ليسوا موجودين في وزارة التربية.
فإذا كنا بصدد منهج تقليدي ومساق تقليدي، فإننا بحاجة إلى معلمين مختصين! أما إذا كنا نفكر بمنهج حديث مرتبط بغايات الفلسفة فإن الأمر يهون كثيراً. وهذه هي مسلمتي الثالثة!
4 - وسواء كنّا بصدد منهج تقليدي أو منهج حديث للفلسفة فإننا يجب أن نضع دليلاً لتدريس الفلسفة، ومع الأسف لم أر إلى الآن أن أحداً نجح في وضع دليل ناجح حتى لتدريس مادة التربية الإسلامية أو اللغة العربية.
لأن مناهج إعداد الدليل التدريسي ما زالت بدائية وتلقينية، فالوزارة لم تطوّر كوادرها بحيث تحدث الفرق المطلوب في التدريس، ولا اعرف دولة يضع المختصون في المادة وحدهم دليل تدريسها، أو حتى منهاجها!
فمسلمتي الرابعة هي: لا جدوى من تدريس الفلسفة دون دليل تدريسها، شرط أن يرتبط الدليل بغايات الفلسفة لا بمحتواها!
5 -ولعل هناك أصواتا قوية في مجتمعنا، ترى تحريم تدريس الفلسفة، وقد يطلبون فتوى جديدة، أو أن الفلسفة أسّ السفه والانحلال، هؤلاء يجب أن يعرفوا أن كل نشاط إنساني يحتاج إلى فلسفة، فهناك فلسفة الفن، وفلسفة الجمال، فلسفة الإنسان، فلسفة الأديان، الفلسفة المسيحية والفلسفة الإسلامية وفلسفة الأخلاق وفلسفة القيم, فالفلسفة ليست عارا كما يعتقد هؤلاء.
وعلى الدولة أن تقرّر: هل ستخضع لهؤلاء أو ستواجه فكرهم؟، لقد قدمت الدولة لمثلهم تنازلات رهيبة، وكانت النتيجة زيادة التطرف والكراهية والإنقسام والتكفير!.
إذن يحتاج تدريس الفلسفة إلى إرادة سياسية لا تُترك لمجلس التربية والتعليم أو لوزير التربية والتعليم. وهذه مسلمتي الخامسة.
6 -يتطلب موضوع "تدريس الفلسفة" تشكيل فريق من: -تربويين. -باحثين ومفكرين. -أساتذة فلسفة. - رجال دين إسلاميين ومسيحيين.
وذلك للاتفاق على:- منهج الفلسفة، والمفاهيم المرتبطة بغاياتها. - مراحل تدريسها. - كما يتطلب تشكيل فريق " تربوي- فلسفي" للبدء بعمليات التنفيذ. وهذه مسلمتي السادسة!.

الغد الأردني

عمارة

حوارات