24993441 967627623377544 3969340112989827937 nقد نقرأ أحيانا نصوصا نقدية حول التدين المتعارف عليه تحتوي على أشياء مهمة فعلا تستحق الاعتبار وإعادة النظر، لكن على أساس أنها استفزاز للتفكير لا غير، أعني أنها أفكار لا يجب أن ينتج عنها تطبيق مباشر، فكتّاب النصوص يحلقون بنا في مدارج التصورات والمثل أحيانا، والجميل فيها أنها تأتي أحيانا نقدية جدا لكنها تحتفظ أخيرا بالمبدأ الكلي وهو تنزيه الخالق عن التجسد حتى على المستوى الصوري! فلو استنطقنا خلفية كلام بعض الناقدين لأصول التدين لوجدناها تدفعنا إلى أداء جهد أكبر في فهم الدين، أي أن نعيد استكشاف الدين من جديد وفقا لمعطيات العلم المعاصر، فماذا يقول العلم والمنطق المعاصرين؟
أولا بخصوص المنطق المعاصر فإنه من غير الممكن بناء أو تغيير معتقدات الإنسان من مجرد مقالة صغيرة أو مشهد فيديو قصير، فالأمر أولا يتطلّب جهدا بحثيا مضنيا، فبالمنطق المعاصر لا يستطيع المرء أن يقول قد توصلت إلى قناعة جديدة قبل أن يقرأ على الأقل مئات الصفحات في مجال المعتقد الذي يريد التجديد فيه، أقول هذا أولا لننفي تلك السطحية التي تربط بين العلم والفكر والاجتهاد والعميق والسلوك الشخصي المباشر، أو ما سُمّي بموضة العمل والإلتزام، وهو تهافت المثقف إلى الالتزام بالأفكار التي يؤمن بها، فمن حيث المبدأ لا علاقة بين السلوك والعقيدة إلا بعد أداء الجهد البحثي الحقيقي الذي ينفق فيه صاحبه جزءا من عمره بسخاء، وإلا فلا يعدو أن يكون الأمر متعلق بتشهيات وتخرّصات هدفها اتباع أهواء مسبقة لا غير، سواء في التخلي عن شرائع معينة أو تبديلها عما هو متفق عليه أو إعلان الإلحاد بشكل تام، كل هذا يتطلب جهدا، وإلا فالأسلم أن يبرأ المرء لدينه وعرضه أفضل...
بخصوص العلم المعاصر فإنه يرى إلى الدين من منظورين، منظور داخلي يرى إلى النص القرآني على أنه نص تراثي تاريخي ملهِم نحترمه نحافظ عليه من حيث الشكل أما من حيث كونه مصدرا للتشريعات الفردية والاجتماعية فيجب أن نتريث ونعيد بناء تصورات جديدة حوله، لكن بناء عليه هو وبناء على منطقه هو وبناء على حقيقة التدين، وهذا التريث يجب أن يكون لتحقيق إجماع علمي وعملي عليه، وهذا لن يكون إلا في المستقبل البعيد أو المتوسط، ومن ثم فمن المهم أن لا نفكر في أنفسنا كثيرا، فننساق في التزام سطحي وفج، بقدر ما يجب تهيئة الظروف للمستقبل.
أما المنظور الخارجي للدين فيقر العلماء بما يسمونه بـ (غريزة الرب) بمعنى أن الإنسان طور خلال تاريخه التطوري جينة وراثية تجعل الأطفال منذ صغرهم يبحثون عن قوة عليا إسمها (الإله)، تماما كما توجد عند البشر (غريزة اللغة) و (غريزة الجنس) بحيث لكل غريزة مرحلة نضج معين لما يصل إليها الطفل ينقض على ما يجده أمامه يناسب تلك الغريزة ويلتهمها التهاما، فهو في اللغة يلتهم اللغة التي يستعملها قومه، وفي الدين يلتهم الدين الذي يدين به قومه، وفي الجنس ينقض على الجنس الآخر تشهيا، ومعنى هذا أنها كلها غرائز أصيلة في الإنسان بما فيها التديّن وأنها حسب العلماء توجود كشرائح مخية (Puce) مثبته كمسارات عصبية خاصة بالتدين واللغة والجنس. بحيث تصبح العلاقة السوية بينها عاملا للتكامل النفسي والاجتماعي معا، لأنه يقدّم إجابات على التساؤلات الميتافيزيقة التي تحضره بفعل الجينة الوراثية المسؤولة عن التدين، وبالتالي يجب هنا أن ندرك جيدا أن أي تغيير في تدين المرء أو تخل عن جزء منه لابد وأن تأتي مكانها بدائل تسد الفراغ، وإلا فإنها ستترك فراغا عند ذلك الإنسان سوف يسدّه ببدائل مادية تكون في الغالب انحرافا تعويضيا مثل الخمر والمخدرات والدعارة وغيرها هي كلّها بدائل عن الروح المفقودة، وهنا نعود إلى النص القرآني فنجد فيه الكثير من التشريعات الوجيهة.
فضلا عن ذلك فإن المتديّن حتى بدين أو عقائد متخلّفة هو من الناحية البراغماتية أمر معقول لأنه يحقق مصلحة في ذلك التدين رغم زيفه وهي مصلحة الاندماج في الجماعة، لذلك نجد أن عامة الناس تزداد سعادتهم كلما توطد وتعمق اندماجهم في الجماعة، وطبعا هذا يعزز فيهم بالمقابل روح القطيع وعدم تمييز الخطأ من الصواب، لكن بالمقابل فإن من الخطأ أو حتى الغباء المواجهة التامة وعدم تحقيق اي نسبة من الاندماج، لأن ذلك يفقد صاحب ذلك الموقف الكثير من مصالحه إن لم يكن جلّها... والمجتمع ذاته بطبيعته يرفض الراكب المجاني الذي يستفيد دون ان يقدم مقابلا يعمل على تعاضده وتماسكه بما هو حاجة ملحة وضرورية تعمل بالتبع على تعزيز المعتقدات، إذ كلما كانت المعتقدات جالبة للمصلحة والمنفعة الفردية ازداد الإيمان الجماعي بها، والعكس بالعكس.
ومع ذلك فإن الإنسان الذي ألف الإتيان بالشعائر يجد في الغالب ضميرا يؤنبه عندما يتهاون فيها أو يتخلى عنها، وهذا الضمير ليس كاذبا من جهتين: 1- جهة أنه ينفصل عن تقليد اجتماعي يمارسه أغلب الناس المحيطين به، وهذا يعني أن الرقيب الاجتماعي موجود في داخل كل منا، لكنه يمكن أن يموت بمرور الوقت، وقد يجني على صاحبه فقدان المصالح. 2- جهة أنه يحدث تشويش لجينة التدين (غريزة الرب) التي فطر الإنسان عليه وامتلأت بمضامين معينة، وأن التشوش يحصل إذا لم تُملأ بمضامين تكون مناسبة وأفضل من السابقة، أما إن تركت على حالها دون بديل فإن ذلك سيحدث اضطرابات تنتهي إلى معانقة بدائل مادية انحرافية كما تقدّم.
لذلك كان من المهم جدا الحرص على ألاّ تضطرب جينات التدين يجب أن تبقى سويّة تماما، وإذا اضطربت وتشوشت تقوم بعمل تدميري، يسميه بن نبي بانتقام الأفكار، والمشكل هو أن العقائد غير السوية التي يتشربها أطفال البشر منذ البداية ستحتاج أيضا إلى تعديل وتصحيح ذاتيين، فإذا كانت العقائد والتشريعات التي أخذها الأطفال غير متناسبة مع النسق الوراثي العام الذي يمكن أن نحصره ابتداء في: 1- اللغة (الثقافة). 2- الدين (التشريع). 3- الجنس (الطبيعة). فإن اختلاطا قد يحدث بينهما فيتداخلان ويصبح المتدين المتشدد ميالا إلى الشبقية مثلا. أو نجد أن من لا يملك طلاقة لغوية سليمة نجده أميل إلى الانسلاخ عن الدين وهكذا... لهذا فأهم ما يمكن أن يركز عليه البشر الآن هو إحداث توازن في الشخصية الاجتماعية من خلال إحداث علاقة سوية بين العوامل الثلاث تنعكس بالضرورة على التوازن النفسي للفرد...

عمارة

حوارات