24993441 967627623377544 3969340112989827937 nآن الأوان للكلام ومحاولة الفصل في أكثر المعضلات إلغازا وإلغاما في ثقافتنا الحالية عامة، معضلة العلاقة بين "اللغة العربية والهويات المحلية" (*)، اللغة العربية الفصيحة ذات النحو الذي يعطيها معايير سلامة تراكيبها وأسلوبها نطقا وكتابة، والهويات المحلية المكونة لأطياف التنوع الأعراقي الثقافي في المغرب الكبير خاصة ، وأعلم أني سأعاني في صوغ المصطلح لكونه الأكثر فتكا وإلغاما! ومن لا يدرك ذلك سيعجز عن تقديم تحليل يمكّنه من تفكيك علبة العمليات الخاصة بهذا الموضوع الذي انفجر وينفجر، ولا يحد من تكرره مستقبلا إلا التفكيك الدقيق والعميق.
ومما تتكون منه الهويات المحلية لغات غير فصيحة، ما يجعل منها لهجات شفوية لا لغات قياسية عامة، ومعلوم أن الكلام الذي لا يملك نحوا قياسيا هو غير ممكن التعميم لأنه غير ممكنة التعليم، حيث يتطلب التعليم قواعد عامة، فاللهجات المحلية إما قد تفرعت عن العربية الفصيحة، وإما أنها تفرعت عن تيفيناغ الفصيح أيضا، والنتيجة الحاصلة اليوم هي أنه كل اللهجات المتفرعة عن لغة فصيحة سواء عن العربية أو عن التيفيناغ هي لغات غير قياسية، ومعلوم أن اللغات غير القياسية مهددة بالزوال أكثر من غيرها، وزوالها يعني زوال الهويات، لأنه وببساطة اللغة وعاء الهوية وإذا انتفى الوعاء ذهبت الهوية، فإذن اللهجات المحلية وظيفية لها دور أساسي في ترسيخ قيم الذات المحلية؛ السؤال بعد ذلك: ما أهمية الحفاظ على الهويات المحلية؟
ولمّا كانت الهويات المحلية بالمقابل ضرورة انتروبولوجية لا يخلو منها أكثر المجتمعات تقدّما، كان علينا أن نميّز في تحديد مفهوم الهوية بين حقيقتين: الحقيقة التاريخية الماضوية للهوية، والحقيقة الفاعلة النفعية للهوية، والواقع أن الدفاع عن الهوية الحالي سواء الهويات الأقلية أو الهوية الأغلبية في أغلبه لم ينفتح بعد على المنظور البراغماتي للهوية، أعني أن نزعة البشر للمحافظة على سماتهم السلوكية والثقافية ينطلق من فاعليتها في الواقع وتوقعه فاعليتها في المستقبل، ما يعني أن الهوية التراثية تشكلت هي الأخرى ضمن مراحل التاريخ حسب حاجة إنسانها إليها، ولا يبقى التاريخ الماضي إلا ضمن الجانب الفني والأثري ولا يتعدّاه للتحكم في مصائر الإنسان الحاضر، وإلا ستبقى الهوية معوقا عن مصلحة الإنسان، ومصلحة الإنسان: الحرية. العدالة. الرفاه.
ولما كانت الهجات وظيفية للحفاظ على التراث المحلي نفعيا، كانت اللغة العربية –بوصفها اللغة القياسية الأهلية الوحيدة المتوفرة حاليا- وظيفية في حفظ المصالح المشتركة والأعم، بحيث تبقى الأداة في تحقيق التواصل الفاعل فيما بين المحيط إلى الخليج، بالتأكيد على أنها المتوفرة حاليا بين الأجيال الراهنة والتي ستأتي قريبا، نتعامل معها كلغة منفعة، قبل أن تكون لغة قيم أو تراث أو دين، وتحريرها من ارتهاناتها التاريخية من أجل أن يرى فيها الجميع لغته التي تحقق مصلحته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ولا مانع من أن يتم العمل على تطوير لغات قياسية أخرى مستقبلا، وليس لي أن أحسم في هذا فإن كان في طور الإمكان فسيحدث، وليست نماذج دول أوروبية تعددية اللغة عنا ببعيد، بينما تبقى اللغة المشتركة الجامعة هي العربية القياسية حاليا، أما اللغات الأجنبية فلا تدخل جدل الهوية لا المحلية ولا العامة، لأن وظيفتها محددة وواضحة في أمرين: المقابسة من العالم والتفاعل معه...

(*). لقد استحال الأمر إلى خصومات تصل حد العداوة بين من تجده يعمل ويتكلّم باسم الهوية المحلية حيث يوصف بالعمالة للأجنبي والعداء للدين بينما لا نجد الواصم يميز بين حق التعبير عن الذات الذي يجب ضمانه مهما كان أقليا وبين العمل لصالح الاستعمار، وتجد من يعمل ويتكلّم باسم العروبة يوصف بالبعث والاستبداد بينما لا نجد الواصم يميز بين القومية العربية واللغة العربية التي يجب تعميمها على أوسع النطاقات، لأنها اللغة الأهلية الوحيدة –على الأقل إلى الآن- ، فالأغلب الأعم أن العداوة الموجودة إنما نشأت عن الارتباط بأيديولوجيات ما بعد الاستقلالات الوطنية (مرحلة السبعينات خاصة)، بل ويمتد إلى ما قبل ذلك عندما نجد أن الهبل الأيديولوجي يعود بنا إلى مراحل التشكل الأولى للمجتمع المسلم فيجد فيه هذا (غزوا عربيا) ويجد فيه الآخر (رطانة الأهالي)، بينما الكل يرزح تحت نفس الأوضاع والهموم التي تجمعهم فلم ينتبهوا إلى أن المعضلة ليست هنا وإنما في مكان آخر، وذلك عندما غاب الحس النفعي وآل إلى صراع ديكة في حلبة الأفكار والسياسة وساحات القتال أحيانا!

عمارة

حوارات