Nubian painting2بقلم: عماد البليك

أول نوبي وأول مسيحي سوداني آمن بالمسيحية، كان خصيا، يتبع للملكة الكنداكة بحسب ما يروي الأب الدكتور القمص فيلوثاوس فرج، في تقديمه لكتاب "إعادة اكتشاف تاريخ النوبة القديم" لمؤلفه الدكتور جيوفاني فانتيني، والصادر ترجمة عن كلية كمبوني للعلوم والتكنولوجيا في الخرطوم 2013، ويمضي فيلوثاوس ليوضح لنا أن هذا النوبي المذكور في الإصحاح الثامن من سفر أعمال الرسل، ذهب إلى أورشليم وهناك التقى بالمبشر فيلبس الذي تحدث معه عن الإيمان المسيحي، وكان السوداني يقرأ في الكتاب المقدس سفر أشعياء تأكيدا "بأن المواطن السوداني مريض بحب القراءة منذ أيام سحيقة"... هنا نتوقف عن محاولة الأب فرج أن يعيدنا إلى عام 37 ميلادية، لينسج لنا أن فكرة أو علاقة الإنسان السوداني بالقراءة جاءت منذ تلك الفترة، رغم أن الأمر برمته محل نظر، فحتى فكرة القراءة التي نتحدث عنها قد تكون غير صحيحة وجزء من الأساطير الذاتية التي تحاول أن تعطى معنى للأنا.
الأمر الثاني، هذا الوزير المذكور عاد إلى بلاده ولم يفعل شيئا يذكر.. وبرر فيلوثاوس ذلك بقوله: "لكن يبدو أن الوزير لم يبذل مجهودا في نشر المسيحية بعد عودته إلى بلاده.. وربما ابتلعته مشاغل كرسي الوزارة، وزارة المالية، وربما بدأ المسيحية في وسط أسرته في مروي".
وهنا كأنما يريد أن يشير الأب فرج إلى قضية ما زالت قائمة إلى اليوم لو أننا استخدمنا منهجه في التقريب بين الماضي السحيق واليوم.. فالذي أنفق عليهم تعليما أو اكتسابا لخبرات جديدة من الأفندية الذين أخذوا إلى بلاد الغرب وإلى أكسفورد وغيرها ومنذ فترة الاستعمار، عادوا ولم يساهموا في تشكيل الحياة السودانية بل انشغلوا إما بالشأن الشخصي البحت ومحيط الأسرة، أو أنهم على أفضل حال اغلقوا أنفسهم في الدولاب الأكاديمي وتحولوا إلى كائنات اجترارية لم تقدم ولم تنفع الناس بشيء، وربما الوزارة.. تحديدا وزارة المالية كما قال الأب، في إشارة إلى الانشغال بالمال..
وهذا موضوع جدلي عميق لا يحتويه مقال، تم تلخيصه بعناوين كبيرة مثل فشل النخبة السودانية والفشل المتكرر والإدمان على الغرائز الذاتية وغيرها من الإشارات التي تكشف ببساطة أن هذه الآفة قائمة بغض النظر عن علاقتها بالوقائع القديمة جدا والتي ليست بالضرورة حقائق، مع النظر إلى أن الأب كان يبحث عن تبرير يعالج به الإشكال الذي وقع فيه ذلك الوزير الخصي.
وما يتوقف عنده المرء في المعالجات الواقعية للتاريخ وقضايا كثيرة في هذا الإطار أنها أحيانا تخلط بين الواقع الراهن والماضي القديم، وتمزج الأسطورة بالتخيل بالوقائع للدرجة التي يختلط فيها الأمر على الكاتب نفسه وعلى المتلقي، خاصة أن مثل هذه النصوص يفترض أنها مقالية بمعنى أنها ذات رسالة ووضع مضموني محدد، وليست خيالا إنشائيا. ولعل مراجعة التراث المسيحي في حد ذاته مهمة جدا خاصة أن المسيحية ظلت لأكثر من ألف سنة هي ديانة السودانيين وهذا أمر ينبغي أن يوضع في الاعتبار فالكنائس عمرت البلاد شمالا وفي دارفور وغيرها من مناطق السودان وسطا، وهذا أمر يستحق لأنه يتعلق بكيمياء أو مزاج بعضه قائم لكننا لم نعمل على استلهامه بالمعنى الكافي لكن المراجعات تتطلب ليس حذرا إنما عقلانية وتعامل منطقي وموضوعي والأخذ بعناصر القوة التي تلهم في صياغة المستقبل.
وإذا كان الدكتور جيوفاني فانتيني قد قام بجهد عظيم كان مجردا فيه، سواء في هذا الكتاب أو قبله كتاب "المسيحية في المالك النوبية القديمة والسودان الحديث" والذي صدر لأول مرة في عام 1978 بجهد خاص من مؤلفه فقد كان في ذلك إشارة جلية التفت إليها الأب فرج ونوه بها وياليت نتعلم منها، وهي أن "الراهب الوقور فانتيني" هو من أوائل من طبعوا كتبهم في السودان وكان بشهادة فرج: "كان قادرا من خلال مؤسساته الدينية – في إيطاليا وغيرها - أن يطبعه في موقع آخر أكثر تطورا، لقد طبعه في مطبعة التمدن – بوسط الخرطوم-". في تلك السنة المذكورة، يقول الأب فيلوثاوس: "كنت أحيانا ألقاه وهو مشغول بمراجعة مسودات الكتاب في صبر وطول أناة".
وهذه إشارة إلى أن الرجل أراد للعلم أن يخرج من موقعه الصحيح وأن يستفيد منه أهله في المقام الأول، لكن للأسف فإن هذا الكتاب الأول، وهو عمل جليل وكبير يستحق التوقير، لم يأخذ الانتباه الكافي في حيز الدراسات السودانية بأن يدخل مثلا في صلب المناهج المدرسية، وربما كان من الأسباب أن المد الإسلاموي عمل في المقابل على تهميش المسيحية خاصة في ظل الصراع على فصل الجنوب وهوس الشرعية الدينية، ولكن ما ينبغي النظر إليه الآن وبشدة أن هذه الدراسات استراتيجية وملهمة بتقديري ربما أعمق من فترات ما بعد الفونج، وأبسط شيء أن تنقل القارئ في الرسومات واللوحات الفنية التي زينت بها الكنائس النوبية القديمة يكشف ذلك عن مخيال عظيم، ولا يهم الأمر أن يخرج قائل ليعلن أن هذه الرسومات لم يقم عليها سودانيون. فالعبرة أن المناخ العام كان امتدادا للنهضة الأوروبية والمجازات العظيمة التي تراكمت عبر التاريخ الإنساني جراء هذه النهضة، فالرسم والنحت وهذه الفنون الملهمة مورست في تلك الحقب المبكرة، والآن بعد كل هذه القرون يتضعضع الوضع الفني لنعود إلى الوراء، لأن القطيعة حصلت ما بين الفترات المبكرة والراهن بسبب جملة القرون التي مررنا بها من تراجع التمدن والتحضر والانزواء في القاع لتمر حقبة من ثلاثة إلى أربعة عقود قاسية على الأمة السودانية، لم تتحرر من أثقالها بعد إلى اليوم.
ثمة حاجة اليوم إذن اكثر من أي وقت مضي إلى العمل الجاد لأجل إعادة اكتشاف التاريخ بشكل جديد، وليس بالطريقة التي تقوم بأخذ الأشياء على علاتها أو تلك التي تظن أن الحلول الساحرة قائمة هناك في ذلك الماضي. ليس في الماضي أي حلول، بقدر ما يقدم صورا وأشكالا ورؤى يمكن أن تساعد على الرؤية والاكتشاف. وقد أطلق الدكتور جيوفاني فانتيني تعبير على عنوان كتابه الأخير: "إعادة اكتشاف تاريخ النوبة القديم".. وكان هذا الاسم نفسه قد خضع للمراجعة من قبل المؤلف ففي الطبعة الأولى الإيطالية سنة 1981 لم يشر إلى مسألة الاكتشاف.. فقد كان العنوان مباشرة: "المسيحية في السودان"، ومن ثم جاءت الطبعة الثانية في 2009 فجاء العنوان الحديث، لينبته المؤلف بحصافة إلى أهمية بل قيمة "إعادة الاكتشاف".. إنها رسالة لا تعنيه هو، بل تعني شعوب السودان. وتعني الأمل المنتظر في أن نرى مواضعات تاريخنا بشكل أكثر إنسانوية يحرره من الأضغاث والأوهام ليكون تاريخا عظيما بحق، من خلال نثره بطريقة جديدة وفاعلة في حراك اللحظة لا التدوير الذي لا يخدم بأي حال في أي فكرة ذات جدوى.

عمارة

حوارات