1-1199228إميل أمين

هل هو حقاً كذلك؟ بابا روماني كاثوليكي بدرجة إيديولوجية ومسحة يسارية ماركسية، وبدون خجل أو وجل عند البعش شيوعي؟

الشاهد وأنه ومنذ أن أرتقى فرنسيس السدة البطرسية والاصوات تتعالى موجهة إليه سهام الاتهام حول توجهاته الفكرية من الناحية الاقتصادية، وهل هو يميل للطروحات والشروحات الماركسية والفكر الاشتراكي بأكثر من ميله أو تفضيله للنموذج الرأسمالي أم لا؟ 

يتوجب علينا القول في البداية للبحث عن جواب، أن البابا فرنسيس ومنذ الأيام الأولى لبابويته، لم يتوان يوماً في الدفاع عن الفقراء، والتنديد بالرأسمالية العالمية التي أتهمها مراراً تلميحاً أو تصريحاً، بأنها تنهش من لحم المعدمين حول العالم.

كانت عظات البابا سبباً رئيساً في اتهامات بعض الأصوات لاسيما من تيار المحافظين الأمريكين مثل الاذاعي الأمريكي "رش ليمبوه"، الذي كتب مقالاً عنوانه: "من المحزن كم هو مخطئ البابا؟ قال فيه: "إلا إذا كان اليساريون تعمدوا سوء ترجمة عظة الحبر الأعظم المنشورة بالإنجليزية على موقع حاضرة الفاتيكان، فإنها تحمل في طياتها أفكاراً يسارية بحتة".

في متن المقالة، تساءل ليمبوه إن كان البابا نفسه هو كاتب العظة التي حذر فيها من أن: "حب المال قد يؤدي إلى طغيان جديد"، فإن الأمر هنا يعكس ثقة فجة وسذاجة في صالح من يسيطرون على القوى الاقتصادية".

"ليمبوه" الاذاعي الشهير الذي يتابعه أكثر من 15 مليون أمريكي، وصف الأمر بأنه كلام محزن، لأن قداسته لا يدري عما يتحدث عنه، عندما يتعلق الأمر بالرأسمالية والاشتراكية، ولأن ما يتفوه به قداسته نظريات ماركسية بحتة، وكأنه مانيفستو ماركسي جديد عمن ينبغي أن يسيطر، على الأسواق المالية، فهو يقول إن الاقتصاد العالمي بحاجة لسيطرة الحكومة".

والشاهد أن أنتقاد البابا فرنسيس لاقتصاديات السوق الحر قد جعل منه في أعين غلاة الرأسمالية، رمزاً لليسار، وشجع ذلك بعض المتقولين عليه بأنه شيوعي، سيما بعد أن وصف هذا الزعيم الروحي لمليار وثلاثمائة مليون كاثوليكي حول العالم الرأسمالية: "مصدر لعدم المساواة في أحسن الاحوال، وقاتلة على اسوأ تقدير".

يعن لنا هنا التساؤل: "هل كانت آرا فرنسيس مغايرة كثيراً من الناحية الاقتصادية عن آراء سابقية من باباوات الكنيسة الرومانية الكاثوليكية؟

المؤكد أن الكتابات الاقتصادية للبابا فرنسيس، ومن قبله كتابات البابا يوحنا بولس الثاني، ليست إلا انعكاساً للتقليد الكنسي الكاثوليكي المتضمن في الوثيقة الشهيرة المعروفة باسم "Rerum Novarum" أو "الاشياء الجديدة"، التي وضعها البابا "لاون الثالث عشر، وتناول فيها ما اسماه وقتها "روح التغيير الثوري" التي كانت تجتاح أوربا حينها.

 حملت الوثيقة والتي صدرت عام (1891م)، أفكاراً تمثل طعناً واضحاً في الأفكار الشيوعية التي كانت جزءاً من ذلك التغيير، غير أن الوثيقة وبالقدر نفسه حملت بعض الانتقادات للجوانب الرأسمالية، ولهذا أعتبرها البعض مزيجاً غير مألوف، ولا يتفق مع الانقسام بين اليسار واليمين الذي سيطر على الحالة السياسية في القرن العشرين.

 أفرزت وثيقة "الاشياء الجديدة" لاحقاً ما أصطلح على تسميته "عقيدة الكنيسة الاجتماعية"، التي تعد اليوم الاساس الايديولوجي الاقتصادي لرؤية الكنيسة الرومانية الكاثوليكية للسياقات المعولمة رأسمالياً بنوع خاص.

أحد أفضل الذين توقفوا أمام تلك العقيدة بالبحث والدرس والتحليل كان اللورد البريطاني والبروفيسور في ذات الوقت "موريس غلاسمان"، الذي حصل على درجة الدكتوراة في دراسة تلك العقيدة، حيث تعاليمها المثيرة والرفيعة، التي ترفض إيديولوجيات اليسار واليمين التقليدية. يقول غلاسمان: "تعارض هذه فكرة أن هناك دولة أو سوقاً فقط، إنها تؤمن بان تفعيل المجتمعات أوما تسميه بالتضمان، قادر على مقاومة هيمنة الاغنياء على الفقراء، ولكن من خلال النقابات العمالية، والجمعيات المعنية، وما يسمى بالتبعية، التي هي مركزية السلطة". "

هذه التعاليم تعارض الشيوعية، لأنها "تؤيد الملكية الخاصة"، ولأنها "ضد التأميم" أو توزيع الملكية على أفراد المجموعة.

ولعل فرنسيس البابا اللاتيني الأول في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، أكثر تاثراً بما تعيشه قارة أمريكا اللاتينية وبلده الأرجنتين بنوع خاص، ولهذا فقد حرص على الدوام أن يطلب من كهنته رؤية العالم من خلال عيون الفقراء، ومن خلال العيش بينهم، وحين حل به الاختيار الالهي خليفة لماربطرس، استحضر معه النهج نفسه إلى البابوية، وقد جادل فرنسيس طويلاً، بأن عدم المساواة يخلق "حالة من الخطيئة الاجتماعية"، ومعتبراً أن "البطالة هي نتيجة لاختيار العالم، ولنظام إقتصادي أدى إلى هذه المأساة".

على أن السؤال الرئيسي لا يزال مطروحاً: "هل نحن أمام بابا شيوعي "الجواب بالقطع لا، فهناك الملايين حول العالم من المعجبين بالبابا فرنسيس على اليسار، وهناك بالقدر نفسه الملايين من اليمين الرافضين لتوجهاته، إلا أنه ليس شيوعياً، ولا حتى ماركسياً، ففي مقابلة للحبر الأعظم مع صحيفة "لاستامبا الإيدالية" أوائل شهر ديسمبر من العام 2013 قال فرنسيس: "الفكر الماركسي خطأ"، مضيفاً: "قابلت العديد من الماركسيين، وهم أشخاص طيبون، ولا أعتقد الأمر يزعجني، في إشارة لو صفه بالماركسي".

وفي مناسبة تالية في تشرين أول أكتوبر من العام الذي يليه وخلال لقاء البابا مع مائتي شخص من ممثلي الحركات الشعبية المجتمعين في روما لمدة ثلاثة أيام في لقاءهم العالمي، قال البابا فرنسيس: "إن تحدثت عن مسائل كالارض والعمل والمسكن لفترة من الوقت، سيقال عني أن البابا شيوعي"، واصفاً ذلك بـ "الأمر الغريب" على حد تعبيره.

يظهر فرنسيس في العديد جداً من كلماته وقراءاته في تصريحاته وعظاته، أن "محبة الفقراء تكمن في صلب الانجيل والعقيدة الاجتماعية للكنيسة"، ويوقن بأن هذا التلاقي مع الفقراء والمعذبين في الأرض لا يأتي استجابة لايديولوجية معينة".

لا تلتقي الشيوعية ولا الماركسية، مع كاثوليكية القلب والعقل، ولا مع سحق الانسان ومحقه، ضمن منظومات تحقر من شأن الفرد، فالمسيحية جعلت السبت من أجل الانسان، لا الانسان في خدمة السبت، وربما كانت هذه هي نقطة الصراع الأولى مع الناموس اليهودي، وفي هذا الاطار لم تكن سيرة فرنسيس الاولى في الارجنتين إلا مصداقاً لايمانه بالفقر الانجيلي الايجابي على مثال فرنسيس الاسيزي.

خاص بموقع بربر الثقافي

عمارة

حوارات