54405739 313588229239790 3680798070867492864 n 1

عبد السلام كنبدار

"إن لقصر الدويرة تاريخ مليء بالعبر، وثقافة عريقة لها جذور متعددة، وتراث ضارب في القدم يستوجب التدخل لحمايته."
قصر الدويرة: أضواء على الثقافة والتاريخ والتراث، ص 86.

"قصر الدويرة: أضواء على التاريخ والثقافة والتراث"، هكذا اختار الكاتب رشيد الهاشمي أن يعنون بحثه الصادر شهر مارس من العام الجاري عن مطبعة ميداكراف ضمن منشورات جمعية أجيال الدويرة للتربية والتنمية.

هذا الكتاب الذي يقع في 100 صفحة من الحجم المتوسط جاء كثمرة بحث متواصل وعمل جاد أخذت الجمعية على عاتقها إنجازه على الوجه المطلوب، ويهدف إلى حفظ وتوثيق الذاكرة التاريخية لأحد أبرز قصور سجلماسة العريقة، ألا وهو قصر الدويرة.

ما الجدوى من دراسة تاريخ وثقافة قصور سجلماسة؟

يقول الأستاذ كمال مدوني في بداية مقدمته للكتاب: "إذا كانت سجلماسة قد حظيت إلى حد ما بنصيب من الاهتمام والبحث التاريخي، فإن إقليمها لم يأخذ نصيبه بعد من البحث والدراسة والنبش."
من المعلوم أن مدينة سجلماسة استقطبت اهتمام العديد من الباحثين والمهتمين، وذلك راجع إلى المكانة الكبيرة التي حظيت بها هذه المدينة العامرة على مر عهود من الدول التي تعاقبت على حكم المغرب الأقصى، إذ مثلت قطباً تجاريا استقبل عبر عصور التجار من كل حدب وصوب، الشيء الذي أسهم في اشتهار هذه المدينة في كل الأرجاء، وصار لها صيت واسع، لكن وللأسف هي اليوم المدينة المنسية التي لازال جزء كبير منها يقبع تحت الركام ينتظر من المسؤولين التفاتة تزيل الغبار على ما ظل مجهولاً ومفقوداً منذ قرون.
وبالمقابل من ذلك، فإن القصور التابعة لإقليم سجلماسة لم يتم تعميق البحث في تاريخها وثقافتها، لأنها من جهة تمثل مجالات جغرافية صغيرة لا تستهوي الدارسين رغم غناها، ومن جهة أخرى فإن المسؤولين على الشأن الثقافي (مندوبية الثقافية، جمعيات ثقافية، منظمات. إلخ) لا تولي أهمية تذكر لتاريخ " هوامش الهامش".
في تبيان أهمية النبش في الذاكرة الجماعية لقصور سجلماسة يقول الكاتب: " تلعب الذاكرة الجماعية دوراً أساسيا في التلاحم الاجتماعي، خاصة وأنها ترتبط بالحاضر وبالتجربة المعاشة في إطار مجال تداولي وتواصلي، وصياغتها وتدوينها من شأنه أن يذكي تلاحمنا كأفراد نتقاسم الجغرافية نفسها، والمصير نفسه."
تتقاطع قصور سجلماسة في كونها تتقاسم المجال الجغرافي نفسه، وتغرف من معين الثقافة نفسها، ومعرفة تاريخها وأنساقها الثقافية على نحو دقيق من شأنه أن يساعد على رصد مكامن القوة والغنى وتشخيص مكامن الهشاشة والضعف، وبناء على ذلك يتم إطلاق برامج اجتماعية في مجال السياحة البيئية والفلاحة تستطيع تحقيق إقلاع تنموي يحسن على الأقل من ظروف معيشة الساكنة.

قراءة في غلاف وعنوان الكتاب:

تتكون الصفحة الأولى من غلاف الكتاب موضوع المقال من عنصرين اثنين:
الصورة: وهذا أول شيء يشد انتباه المتصفح، حيث احتلت الجزء العلوي بكامله من الغلاف، وهي عبارة عن صورة فتوغرافية لسد قصر الدويرة، سد تم بناؤه من قبل الأجداد الأوائل منذ زمن غابر قصد الانتفاع بمياه وادي زيز، وتبرز الصورة جانباً من الطبيعة الخلابة التي تمتاز بها واحة الرتب، حيث يغري الناظر إلى الصورة تداخل عدة عناصر طبيعية: فالرمال الذهبية التي تظهر في أسفل الصورة، والنباتات الشوكية وأشجار النخيل التي تنبت هنا وهناك وتسبح في مياه الوادي، كلها ليست سوى مشاهد تبهج العين وتسعد الروح.
العنوان: وكتب بخط بارز باللون الأسود ويمكن تقسيمه إلى شقين:
قصر الدويرة: وهو المجال الجغرافي الذي اختاره الكاتب قصد دراسته، وهو مجال بدوي يعيش أغلب سكانه على الأنشطة الزراعية، ولقد بين الباحث داخل الكتاب أن لفظ "قصر" يستعمل في واحة تافيلالت للدلالة على الدوار والمدشر، وهذا راجع لأسباب سياسية.
أضواء على التاريخ والثقافة والتراث: وفي هذا الشق الثاني من العنوان إبراز للمحاور العامة التي تناولها الكاتب في هذه الدراسة. وبذلك يكون العنوان بمثابة تلخيص مكثب لمحتوى الكتاب برمته.
أما الصفحة الثانية للغلاف فنقرأ هذا المقتطف من تقديم الأستاذ كمال مدوني للبحث:
"لقد تغيى الباحث من خلال هذه الدراسة إعادة رسم صورة واضحة عن تاريخ قصر الدويرة، كما أنه يرمي إلى جمع ولملة ما يزخر ويتميز به هذا القصر من ذاكرة ثقافية وتراثية حفاظاً عليها من الزوال والاندثار، فقسم البحث إلى أربعة فصول تناول فيها بالدراسة والتحليل المعطيات الطبيعية والبشرية في المجال موضوع الدراسة، كما كرّ على الذاكرة التاريخية لهذا البلد تحدث فيها عن التسمية والسكان الأوائل، كما سلط الضوء على الذاكرة الثقافية والتراثية من خلال تناول طرق العيش، وطقوس الاحتفال بالزواج والمناسبات الدينية، كما أنه لم يغفل الحديث عن الثقافة اللغوية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من ثقافة البلد، ثم ختم هذا البحث بتراجم لبعض الشخصيات البارزة التي تركت بصمتها في قصر الدويرة."
إن هذا المقتطف الذي اختاره المنسق لوضعه على ظهر الكتاب يوضح الفصول الأربعة التي ارتكز عليها الكاتب في بحثه حول قصر الدويرة، ومن الواضح أن الباحث اتبع منهجاً تاريخيا يتسم بالعلمية والموضوعية والتدرج، رغم قلة المصادر والمراجع التاريخية في هذا المدار.

قصور سجلماسة.. تراث حي قابع تحت النسيان : قصر الدويرة أنموذجاً

حاول الكتاب قيد الدراسة تسليط الأضواء على تاريخ وثقافة قصر الدويرة باعتباره أحد أبرز القصور التي أسهمت في إثراء ذاكرة واحات الجنوب الشرقي عموماً، وذاكرة واحة تافيلالت خصوصاً، وذلك إيماناً بكون ذاكرة القصور الطينية التابعة للإقليم، وما تزخر بها من موروث تاريخي وثقافي، هو جزء لا يتجزأ من تاريخ سجلماسة المدينة.
قصر الدويرة التابع حالياً لجماعة الرتب، قيادة أوفوس، شكل مجالاً جغرافياً، وتاريخيا، وثقافيا وتراثيا يمتاز بالغنى والتنوع، فموقعه الاستراتيجي وخصائصه الطبيعية جعلت منه ممراً للقوافل التجارية القادمة من تخوم الصحراء والمتوجهة نحو مدن الشمال، وقطب جذب لخليط من السكان الباحثين عن الأمن والاستقرار، فوجدوا في المكان مستقراً لهم وعاشوا على الأنشطة الزراعية منتفعين من خيرات وادي زيز.
قد يختص قصر الدويرة ببعض الميزات التراثية والتاريخية، لكنه يتشارك والقصور الأخرى في كثير من الميزات الأخرى التي وجب استثمارها، إذ إن قصور سجلماسة في مجملها تشكل بناءً ملحميا يعيش أغلب سكانه على النمط الواحي الذي صارا مهددا بالانقراض مع توالي السنوات الذي تزحف على الأخضر واليابس.

 

فنون وتشكيل

محطات إبداعية