10484048 983392668412416 2792453260256575761 nأعتاد ذلك الشاب، ذو القامة الفارعة، والشعر المنفوش ،والجسم النحيل المشهور( بالزاحف) الجلوس بصفة يومية دائمة، على تلك الصخرة الممتدة أسفل نافذة ذلك الدار،الواقع في أقصى الجهة الغربية من القرية الشبيهة بمثلث منفرج الزاوية، المطل على الطريق المودية إلى القرية. كأنه يرصد حركة الواصل إليها والخارج منها،تصاحبه حالة من الصمت المستمر لا يتحرك إلا عندما يشعل بين لحظة وأخرى حبة سجائر من تلك العلبه، التي يشدها بين يديه ويشفطها بشراهة منقطعة النظير،لا يذهب منها عن رئتيه إلاً تلك الخطوط الدخانيه المتعرجة، التي تتصاعد منها أثناء توقفه عن شفطها بين شفتيه التي لاتكاد أن تختفي من بين يديه ولامن بين شفتيه ملفتا إستغراب الناس واندهاشهم من جلوسه المستمر وصمته الدائم في ذلك المكان الذي لايغيره أبداً، لفترات طويلة دون ملل ومن هذه الحالة أصبح الناس يشفقون عليه خاصة من حالته المفرطة في تعاطي الدخان، إذ لا يكاد يطفئ الأولى حتى يشعل الأخرى.
لذلك ظل على هذا الحال ،زمناً طويلاً لم يبرح المكان، إلا بعد أن يدنو ظلام الليل فيركض مسرعاً نحو منزله الواقع في الجهة الشمالية من القرية ذاتها،حتى تلك المحاولات المستمرةمن بعض الأشخاص المشفقين عليه في محاولاتهم الاقتراب منه وفهم ما يدور في باله لا تجدي نفعاً فسرعان ما يعيش بعد لحظات من اقتراب أي شخص حالة من التفكير العميق.وهذا هو السبب الذي يجعلهم ويجبرهم على تركه وشأنه، إلأأنه في ذات الوقت لم يظهر، أي سلوك عدواني تجاههم.أو تجاه أي شيء يمر من أمامه أو يقترب منه خلال مدة بقائه في ذلك المكان.
وعند غيابه ذات يوم عن مجلسه المعتاد تساءل الناس عن سر ذلك الغياب الغير معهود؟؟
- فأجاب كلٌ منهم الآخر قد يكون مريضاً؟!
- لكن مع طول فترة اختفائه عن مكانه المعتاد سآلو باهتمام عن سر ذلك الشاب!!
- فكانت الإجابة،من محمد أحد جيران الزاحف قائلا:
- لقد سافر مع ابن عمه أحمد.. الذي وصل قبل ثلاثة أشهر من ألغربة..
- إلى أين؟
- طبعا إلى الخليج العربي حيث يعمل..
- ماذا يعمل؟
- لقد تمكن، هذه المرة من إقناع والده ،أن يصطحبه معه في سفره لعله يجد له علاجاً لحالته في مستشفياتها المتخصصة،ولعله ينجح في ذلك..
-وكيف وافق والده على ذلك؟
لقد استعان بأشخاص كثر من الأسرة ومن خلالهم تمكن من إقناع أهله بضرورة سفره ..
- لعل الله يشفيه مما هو فيه ..
- محمد الله عظيم كريم ..لقد قال لنا والده إنه رافقهم ،إلى أول مدينة حدودية خوفا من أن يحدث ولده إشكالات ومتاعب،ويرفض الصعود في السيارات، لكن أي شيء من ذلك لم يحصل.. فقد ظل هادئا لا يتكلم كعادته عن أي شيء..ماعدا الماء والطعام حتى غادر الحدود، حتى قيل إن والده عندما عاد للقرية مهموما، وغير مطمئن وتساوره حكايات كثيرة، منتظراً بفارغ الصبر، بين لحظة وأخرى أي أخبار تصله عن ولده الزاحف.. من ابن شقيقه أحمد ،عبر أولئك العائدين من المهجر، لكن طال انتظاره كثيرا حتى عودة الحجيج، في ذلك العام عندما وصلته رسالة ،صحبت الحاج (محمد) من (أحمد) وفيها شرح كامل لما آل إليه ولده (الزاحف)، من حال أفضل إذ لم يعد كما كان صامتا، فقد تغير بعد أيام قليلة من عرضه على الأطباء، وتعاطيه الدواء بشكل منتظم، وأصبح في تحسن متقدم أما حالته المرضية، فقد حددها الأطباء بالتالي :-
- إحباط نفسي حاد.
- سوء تغذية..
- إفراط كبير في التدخين، مما يسبب له الأرق وقلة النوم، وقلة الشهية..
- الشعور بكراهية الغير له.
- فقدان الثقة بنفسه.
وبوصول هذه الرسالة بدأ أهله ،يطمئنون عليه ويستبشرون خيرا بما هو فيه من تحسن، بينما "الزاحف"أدرك هذه التغيرات،على شخصيته وحالته النفسية فظل يداوم على تناول الأدوية بانتظام يوميا ويذهب إلى المستشفى للفحص الدوري حسب إرشادات الأطباء وبدأ بالأمتناع عن التدخين تدريجيا، حتى لم تمضِ خمسة أشهر حتى تعافئ تماما.
- عرض أحمد على الزاحف العودة إلى أهله..
- رفض الزاحف ذلك العرض.معللا بأن الطبيب لم ينتهِ من علاجه. وبدأ يفكرأن يشق لنفسه حياة جديدة وطريقاً أخرى في الحياة بعيدا عن أحمد.. فقد بحث له عن عمل،فتوفق في إحدى الشركات الخاصة، بالبناء والإعمار حارساً لأحد مخازن الشركة.. استطاع من خلال هذا العمل كسب بعض المال وتحسين وضعه المعيشي وقد ساعده عقد العمل الذي ينص على البقاء في خدمه الشركة عامين كاملين ،ماجعله يجمع أكبر قدر من المال، ويعود من الغربة وهو يحمل في رأسه أكثر من مشروع إضافة إلى التغيرات التي طرأت على جميع ملامحه، فقد أصبح عوضا عن الشاب الزاحف الشاب الوسيم، والرث بالأنيق ،والناحل بالسمين والصامت بطليق اللسان. أما أول مشروع حققه عند عودته، زواجه من بنت الحاج (قايد) تلك الفتاة الجميلة التي لا مثيل لها في تلك القرية والقرى المجاورة، والتي تسكن ذلك المنزل الذي عرفه الناس بالجلوس الدائم عنده فوق تلك الصخرة الممتدة أسفل نافذته، بعدة أمتار وقد تم زواجه بها من خلال إغراء أهلها بالمال الكثير والهدايا الثمينة،وتلبية كل ما طلبوه دون تردد بما فيها تلك الطلبات شبه المستحيلة .. ففاز الزاحف بما لم يفز به غيره من الشبان..

عمارة

حوارات