61166011_2129976337129705_9119450196411940864_n.jpgدخل غرفته تلك التي اعتاد أن يُمارس فيها كل ما يخُطر في ذهنه في منعزل تام عن العالم الخارجي، اخذ من صندوق الشمعة عِدة شمعات فأشعل واحدة منها واسال بضع نقاط من الشمع في زاوية الطاولة لتثبت فيها الشمعة وفتح النافذة وهب منها تيار هواء عليل على الشمعة وارتعشت شُعلتها وانطفأت وساد الظلام في الغرفة، اغلق النافذة وقرر هذه المرة ان يشعل عدة شمعات في آن واحد ووزعّها على زوايا الطاولة كأنه يحتفل بعيد ميلاده او عيد رأس السنة، ولكن في الحقيقة كان عيد السُكر.

جلس على كرسيه المعتاد امام الطاولة الكبيرة التي توحي بفوضوية مفرطة حيث تناثر فوقها، اوراق مبعثرة، اقلام، دفاتر، كتب فكرية واخرى سياسية ودينية، روايات عالمية وجرائد سياسية واخرى للتسلية، والإهداءات التي احتلت مساحة كبيرة من الطاولة تلك التي جاءته كهدايا من زملاءه في مناسبة تخرجه، ساعات اليد والخواتم والكاب والنظارات، والجِليدة (المحفظة)، دلاعة المفاتيح..

واخيرا وضع زجاجة الخمر وكأسه الودود لنفسه ذاك الذي اخذه من دولاب امه خِلسه، وايضا وضع علبة السجائر والولاعة، سجارة البنقو والبرنسيس وهاتفه الجوال نوعية سامسونج واخرى صغيرة نوعية "ربيكا "، وهكذا اكتملت فوضوية الطاولة بموجوداته.

وهكذا قرر ممارسة روتينه المعتاد في غرفته التي يسميه اليوتوبيا.

صب كأسه الاول وقبل ان يتجرعه قرر ان يشعل سيجارة البرنجي وبدا يتفحص بيده بين الصناديق الكثيرة رفع الاول ووجده نوعية ابو شّلوْف والاخر ابو اسنان واخير عثر على نوعية ابو اصابع ذاك المفضلة لمثل هذه المواقف والذي يمنحه قوة لبلع الكأس الاول الذي يسميه كأس ضربة البداية وهكذا تجرّعه ووضع الكأس الفارغ على الطاولة، واصبح يهز رأسه يميناً وشمالاً من شِدِة مرارته اصبح اللعاب يسيل كأنه وجد قطعة ليمون شُقت الى طرفين وفجأة احس ان كل فتحات جسده بدأت تفُرز افرازاتها، ولم يستطع ان يوقف دموعه التي اصبحت تنهمر وتسيل بتثاقُل من عينه اليمني مارة بخده الايمن لتسقط في دفتر خواطره الخاصة واصبح يشكل دوائر ودوائر حتى تتلاشى كاحلامه التي بدأت تتلاشى هي الاخرى وهو يتأمل ذلك بتمعُن،، ولحظتها دخل في حالة من الانتشاء لان كل الذي ما حوله كان يوحي بالأحزان وتلك الدموع التي كان تسيل من إثر مرارة الخمر اصبحت تسيل بغزارة متحولة من دموع احدثتها مرارة الخمر الى دموع الاحزان

فبكي على سنينه الضائعة، وعلى الفقر، العطالة، الفشل، وبكى على طموحاته الجميلة التي أصبح تتلاشى مع مرور الزمن، وبكى احلامه الذي ضاعت سُدىً وعلى شهادته الجامعية المعلقة على جدار الغرفة والتي لم تفيده بشيء غير انه ضّيع خمس سنوات من عمره في حصولها.

وبكى علي جنيهات امه التي كانت تُرسل له بعد قضاء ايام في الاعمال الشاقة، في جمع الاحطاب والقش وبناء البيوت بالايجار وغيره من الاعمال الهامشية، بكى على كل شي حتى علي الكتب والروايات التي كان يشتريها بتلك الجنيهات، وانحنى وطأطأ رأسه للأسفل وقبل ان يمسح دموعه بالملاية التي افترشها على الطاولة، قرر ان يشرب مرة اخرى وهذه المرة كانت كأس الثقة بالنفس كما يسميها لكن هيهات، انهال على الخمر كأسا تلو الاخرى حتى كادت ان تفرغ الزجاجة، حينها صرخ عدة صرخات واعتراه الشحوب وغمرته موجات من الغثيان، واحس بان احشاءه ممتلئة ويجب افراغها بكل الطرق والمخارج وقرر ان يذهب للمرحاض وسار بخطوات واهنة وسقط على السرير وركل الطاولة برجله واهتزت الطاولة وتساقط ما فوقها وبدأ يشتم كل النجارين على صناعتهم لمثل هذه الطاولات التي لم تستحمل حتى ركلة واحدة.

استجمع قواه وتحرك مرة اخرى ووطأت قدمه على قارورة الخمرة التي وقعت من الطاولة وسقط هو مرة اخرى على الكرسي الذي قُرب الباب وبدأ يشتم ويلعن ويسب القوارير والشركات المصنعة لها وحتى لعشوشة بائعة الخمور لصبها الخمر او العرقي على القوارير، ونظر إلى السرير الذي كان جالسا عليه للتو ومن ثم نظرة سريعة على الكرسي الآخر الذي وقع عليه الآن، وأصبح يردد اغنيته الجميلة.

" نقوم من دا و نقع في دا،، القسمة تقول مصيرنا كدا و ياهو دا المكتوب "

فجأة وهو مرتم على ذاك الكرسي لمح الصورة المعلقة على الجدار وهي صورة محبوبته المستقبلية كما يسميها، وهي جالسة على هيئة معتدلة وفي حضنها حقيبة يدها الصغيرة وهاتفها الجوال ومنديل الورقة مبدية ابتسامة رشيقة يشوبها الاطمئنان، تلك الصورة التي سرقها خفيةً من تلك الحبيبة التي لم يستطع ان يمتلك الشجاعة الكافية للبوح بحبه لها حتى صرف النظر والتفكير عنها.

قرر مرة اخرى ان يذهب للمرحاض ولكن عرف ان جسده المتهالك لم يقوَ على الذهاب دون ان يسند على شي، وقرر ان يضع كِلتي يديه على الجدار "السور" المتلاصق مع المرحاض، وتحرك ببطء وهكذا وصل الى الباب ورفع يديه ليمسك مقبض باب المرحاض وهنا كانت المفاجأة حيث مال جسده النحيل الى الخلف وفقد توازنه وبدأ يترنح ويترنح ويجدع كِلتا يديه على الهواء الطلق نحو اللاشيء، كأنه سائق مركب متهالك يتصارع مع المجداف ووراءه الامواج تتقافز.

خيرا سقط بمسافة بعيدة وارتطم رأسه على حِذاء كرة القدم، فتغيرت ملامحه وعبس وجه وتصلب ورفع رأسه يتحسس إثر تلك الضربة ولم يجد شيئاً، حينها ضحك ضحكا ساخرا وبدأ يسب بسخرية لاذعة كرة القدم ومن اخترعها واللاعبين ابتداءً من بيليه و مرورا بمارادونا ورونالدو ورونالدينو وحتى ميسي بحكم انه مدريدي وحتى جكسا وقاقرين، ولم يترك حتى إيداهو الذي مات في الميدان إثر سقطة قلبية، واخيرا ختم الشتم علي اللاعب الذي حل مكانه في فريق الحي بعد ان اصبح اداءه يقل تدريجيا بعد اصبح يتعاطى ويباري الجنبات والعجائز حسب قول مدرب الفريق.

وبكل هذا التعب والمهزلة لم يفقد امله في الذهاب الى المرحاض وبدا يحبو هذه المرة ليصل الي المرحاض..

انها العزيمة والإصرار..

لو كان واجه الدنيا وصعابها بهكذا الإصرار.

عمارة

حوارات