Sanaa HDR 16482367935متجمهرون في الشارع ذاك يُشعل بقداحته العوجاء سيجارة رقيقةً يابسة، وذاك يستنشق دخان الآخر، تجمعهم أغاني فيصل علوي الراقصة ، التي تُصدر من أحد المقاهي ، منذ الصباح الباكر، يجتمع الناس ، البعض يأكل خبز طاوة مع كوبٍ من الشاي الأحمر ، والبعض الآخر يأكل خميراً من دكان صغير في نهاية الشارع ، كلُ من يأتي ليشرب أو ليأكل، يغادر بعد أقل من ساعة ،لعمله ، أو منزعجاً من روائح الدخان المنبعثة من المقاهي والمطاعم الصغيرة ، والضجيج العالي من أصوات مرتادي الشارع والباعة .

وحده طفلُ الشارع ، يتواجد في كل الأوقات، صار مُعتاداً على الضجيج والدخان ، إتخذ من ثلاجة تالفة مرمية في نهاية الشارع مخدعاً يأوي إليه كلما أُتيحت له فرصة للنوم ، وجعل من بقايا ثياب مقطعة ملقاةً على طرف الشارع " بطانية له " ، الطفل الذي لا يتجاوز العاشرة من العمر، يعمل طوال اليوم في جمع أكواب الشاي، عند أحد أصحاب المقاهي،ولا ينام إلا لساعات قليلة .

وجههُ ليس كباقي وجوه الأطفال التي تُشع منهُ براءة الطفولة، فالخطوط الشاحبة على وجنتيه توحي وكأنه في العشرين من عمره، لقد إكتسب تلك الخطوط الشاحبة من العمل الشاق ، وسهره طوال الليل في الشارع . منذ الوهلة الأولى لدخولي الشارع الضيق ، حدق في عيني، كأنه يعرفني منذ زمن طويل، أطلق لي إبتسامةً صادقة ، شربتُ كأساً من الشاي الأحمر،أتى طفلُ الشارع يحوم حول الطاولة التي أجلسُ عليها ليفوز بكأسي الفارغ ، قبل منافسيه من العُمال من الذين يلتقطون الكؤوس الفارغة، بعد ارتيادي لأكثر من مرة على شرب الشاي في اليوم الواحد ، من مقهى وسط الشارع ، مجرد أن يلمحني، يبتسم لي وكأنه يقبلني بحرارة ،اه كم تمنيت أن تحظى يدآي وعيناي بتقبيله ،إلا أنني لم أجرؤ على ذلك ، هاهما شفتاي وعيناي الآن تخوناني.

في أحد الأيام أتيت الخامسة فجراً لم يكن الشارع كعادته مزدحماً ، أخذتُ كوباً من الشاي الأحمر وجلست على إحدى الطاولات الهشة المتسخة ، إرتشفتُ الرشفة الأولى لمحني طفل الشارع فإبتسم لي ،إبتسامةً مختلفةً عن سابقتها من الإبتسامات ، عجزتُ عن تفسيرها ،آه كم أنا خائن، حين لم أستطع أن أبعث له إبتسامة حميمة وصادقة ،كما فعل معي في المرات السابقة، تأمل كأسي ، وقد نزل للمنتصف ، ناداني للجلوس على رصيف الشارع المشبع بالبرودة ،المتسخ ، المشوه الرائحة ،كان باسطاً رجليه على بلاط الشارع ، بادرني بتحية صباح الخير يا وسيم ، إبتسم في وجهي إبتسامة عنيفة ، إكتفيتُ أنا في التحديق في عينيه ،كنتُ منذهلاً للغاية، من حواف عينيه، المزرقة ، التي تشكلت كسحابة منتفخة تكاد تنفجر، قلت في نفسي ماذا يعاني هذا الطفل؟

أكملت كأس الشاي ورميته بعنف، ضحك ، وسألني : لماذا تأتي إلى هنا ؟، هل تعاني من الفراغ الداخلي؟

آه كم أنا خائن لنفسي وللطفل ، حين لم أستطع الرد على سؤاله ، كنت مرتعباً من سؤاله ،إنشغلتُ بالتدقيق والفحص ، في ملامح وجهه الشاحب الباهت ، لمس يدي لمصافحتي، لكن سرعان ما سحبتُ يدى من يده ، لم أستطع تحمل ذاك الشعور،فباحة يده أصبحت كأسنان المنشار ،دمعت عيناهُ ، لم أجرؤ على سؤاله عن سبب إنهمار الدموع بغزارة من عينيه،كنت خائناً له ولنفسي ،حين أحس بنعومة يدي النحيلة .

إختصر وجعه وحزنه وضجيج الكون كله بكلمة واحدة سألني بها ،لماذا؟؟

أطلقها مع تنهيدة حارة ،كأنه لم يتنفس منذُ سنين ،ألجم على لساني لفترة محدودة من الوقت ، بسؤاله المرير.

سألته بعد ما قدرت على تحريك لساني سؤالاً : ما إسمك؟ ..

أنا ياسيدي، لعنةً حتى الموت لا يريدني ،لم يعلم طفل الشارع أن مرتادي الشارع هم مزيفون منافقون ،يرتدون كل يوم قناعاً مزيفاً .

ظل كلٌ منا يحدق في تفاصيل وجه الآخر،اكتفينا بالنظرات لفهم معاناة ووجع أرواحنا ، برودة الشارع نالت منا ،أطلنا النظر وإذا برشاش ماء دافئ إنصب علينا وغمرنا ، أحسسنا الإثنان بإنتعاش رائع ، فالنظرات، كانت كافيةً ليتقاسم كلُ منا وجع الآخر ، إنزوينا متوآريين عن الأنظار، خلف مطعم العزعزي للفول ،أطلق طفلُ الشارع ، نوبات ضحك قوية ،سرح بعدها في نوم عميق وإلى الأبد .

كاتب من اليمن.

عمارة

حوارات