عادل الاميناستيقظ في الصباح مذعورا..خطف مسدسه من جواره وأطلق النار على سارية العلم عبر النافذة حيث كان يجب ان يكون هناك غراب ينعق في الفضاء ويسلح على علم البلاد..لم يكن هناك غراب يسقط مضرجا في دمائه ويقوم الحراس بدفنه في المقبرة الجماعية في فناء المنزل تحت أشجار الليمون والبرتقال
لم تنهض زوجته مذعورة توبخه على هذا الفعل المشين والمكرور...إذ أنها لم تكن موجودة الى جواره هذا الصباح"ما هذا الصمت المخيف؟؟!!"..فرك عينيه وأصاخ السمع..عله يسمع صفارة قطار بعيدة من قلب المدينة او أزيز طائرة من مطارها او الضجيج المعهود في الشارع..."هل هذه كوابيسه المستمرة والتي جعلته يجوب بلاد العالم لطببتها...أم أنها الحقيقة؟؟!!"
لم تأتي سيارة الرآسة التي تقله الى القصر الرآسي ، رفع سماعة التلفون ووجد المجيب الآلي في الانتظار"ناسف..أما هذا الرقم خارج نطاق التغطية أو الهاتف مغلق"...تناول الريموت وأراد إدارة التلفاز..ظهرت الشاشة البلورية عارية من كل بث ..فقط التشويش الذي ينبعث من مثل هذه الأجهزة الالكترونية...أدار مؤشر الراديو..تكرر نفس الأمر ..انطلق صفير ولم يجود له المذياع بمحطة إخبارية واحدة"رباه ..ما هذا الذي يحدث في العالم؟!!"
هب مذعورا واخذ يركض في ردهات القصر وشرفاته الخاوية والأشجار في الفناء تحملق فيه في ذهول وقد خلت من زقزقات عصافيرها"خطب ما الم بالمدينة وأغرقها في هذا الصمت المريب؟؟"...
ارتدى ملابسه على عجل وقرر أن يقود سيارته بنفسه...خرج الى الطرقات المقفرة والمتشحة بالغبار...شاهد أوراق ومنشورات تغطي الشوارع...تحملها الرياح وتصفع بها زجاج سيارته...مر أمام الشارع المعهود...حيث كانت تقبع مريم بائعة الشاي...وتداعي الى ذهنه المجهد ذكريات من نوع خاص....

كان عندما يمر بموكبه وضجيجه المعهود أمام الشجرة التي تجلس تحتها عن كثب من قصر الرآسة...لا يطيق النظر إليها...ونظراتها الممتلئة بالوعيد والاحتقار تشوي جسده وتخذه كالإبر...ويحس بالأزيز يجتاح كيانه بقوة ألف ديسبيل ..كأنما سحقته طائرة بوينج 747...

عجز رجال الأمن عن إزاحتها شبراً واحداً من مكانها ولم ينبت احد منهم بكلمة عن ما يحدث له كلما شرع في مضايقتها..حتى إنهم مرة احضروا مشعوذ المدينة الشهير الذي تلجأ له الحكومة في ملماتها...لهزيمة سحرها الأسود...كانت حادثة...اقشعر لها بدن الجميع وأصيبوا بالغثيان والخوف معا..جعلتهم يقبلوها كأمر واقع...سقط الرجل مغشيا عليه لمجرد أن حدجته بنظرة من تلك النظرات المخيفة وتمتمت بتعاويذها الغامضة التي علمها له الرجل في صغرها.. ثم نهض يتقصع ويسير ويتحدث في ميوعة فقد استوطنت جسده فجأة امرأة...ليت الأمر انتهى إلى هذا الحد...أضحى المسكين...تحت رغبة لا تقاوم يتسكع عند المدارس يبحث عن عنفوان المراهقين...يصطاد احدهم ويأخذه معه إلي بيته البعيد في أطراف المدينة...ويتم الأمر الذي قد قدر من اجل حفنة نقود..

بائعة الشاي مريم من قبيلة المساليت في أقصى غرب البلاد..التي تحيط بها الأساطير...لم تأتي إلى المدينة بطوعها...وحبا في مباهجها...أحرقت طائرات الانتينوف الروسية قريتها في دارفور...داست سنابك خيل الجنجويد على أجساد أهلها الطاهرة...قتل أبيها الشجاع وأصيب زوجها بطلق الناري جعله مقعدا ويعاني من مرض الدرن الباهظ التكاليف..وابنها الوحيد يقبع جوارها...وتقيم في هوامش المدينة الغربية...
عندما كانت مريم طفلة ترعى الماعز في فيافي دارفور الموحشة...ظهر لها رجل فجأة..امسك بها بقوة وطرحها أرضاً وأجرى لها عملية جراحية غريبة..دفن شيء ما في لحمها الطري أعلى الفخذ..كان يردد على مسامعها الغضة"لا تبكي يا الزينة بنت الزينين...ستتالمي الآن ولكنه سيحميك من أم كواكية ومن ناس الخرطوم بقية حياتك كلها"...ومن يومها وهي تحمل سرها معها..كانت تخيف الرجال... خاصة هؤلاء الأوغاد الذين يتعهرون معها دون حياء ولا يتكلمون بصورة لائقة معها كامرأة ملتزمة تبيع الشاي... لها زوج وطفل...
أضحت الحادثة المشينة للمشعوذ...القشة التي قصمت ظهر البعير..وانتشرت وغدت مكان تندر المواطنين.....وفرضت وجودها المخيف تحت شجرة اللبخ جوار قصر الرآسة ،

نظر إلى موقعها تحت الشجرة بعين متوجسة...لمح كل أدواتها قابعة في مكانها والمقاعد الصغيرة متناثر تعبث بها الريح...ولا احد..."تبا..حتى هذه المرأة المخيفة..رحلت !!..ما دهى هذه المدينة؟؟!!..ظل يتجول بالسيارة في الطرقات المقفرة...كان الزمن يمضي...والسيارة تائهة في الطرقات...المدينة التي سكنها الضجر منذ أمد بعيد...الأوراق المريبة تعبث بها الرياح في كل حدب وصوب... والأتربة أيضا..

شارفت شمس ذلك اليوم على الغروب..عاد بسيارته منكسرا وعندما مر جوار ملعب المدينة الفخم...شعر بالأسى..."اليوم المباراة النهائية على كأس أعياد الثورة الظافرة...كان الملعب قابع في الظلام..كأنه جبل مرة..وتبرز أبراجه الكهربائية من أركانه الأربعة...مثل كائنات جيمس كاميرون الأسطورية...ترجل من السيارة ونظر إلى هذا الصرح العظيم الذي كان يملا المدينة ضجيجا وحيوية وقد خيمت عليه سكينة اللحد العميق..تملكه الأسى والرعب تماما..."هل يعقل أن احدهم أخلى المدنية بأكملها دون علمه؟؟أين الأجهزة الأمنية والعسس؟؟!!..أين زوجته الوفية؟؟..أين مريم بائعة الشاي؟؟..إلى أين مضى هؤلاء؟؟...
التفت حوله نحو الأوراق التي تغطي المكان وتصفعه من كل جانب..تناول أحداها التصقت بوجهه ودسها في جيبه وطفق عائدا بالسيارة إلي قصره المنيف والغارق في الصمت المؤسف.....دلف يجرجر أقدامه كأنه يسحب قاطرة خلفه....دخل غرفته وأضاء الشموع..حيث لم يعد هناك كهرباء أو حياة تدب في جسد المدينة...اخرج الورقة من جيبه وأدناها من عينيه وقرا...كلمة واحدة بخط عريض احمر.. أنيقة وحاسمة"قرفنا"....
هب كالملسوع واخذ يردد في هذيان مرير وينتف شعره" فعلوها...الأوغاد الملاعين"...

....

هوامش: أم كواكية:الفوضى الخلاقة بلغة أهلنا في دارفور
قرفنا :مجموعة من الشباب ناشطة سياسيا
من مجموعة شفرة ابن عربي صدرت من مركز عبادي للدراسات والنشر2010 –صنعاء-الجمهورية اليمنية

عمارة

حوارات