600 ذ-محسن-الاكرمينتفكير إيثري داخل منزل شهيدة البحر يهيم به تحليقا في معترك منطقة تجاذب بين دوام حياة وقتل موت، يهيم بعيونه مشاهدة في النسوة الباكين بالنواح. تحليق مخيلته لحق به إلى تلك اللحظات التي كانت تنظر إليه شهيدة البحر بعيون باكية في المستشفى وتشد على يده بالقوة الباقية من جسم حياتها. هو إيثري الذي بات يخاف من مواضع الموت لكن القدر الرباني يجعل منه ملازما لمواقع تواجد ملك قسوة الموت. لم تبح أم شهيدة البحر ولا كلمة بصغر حروفها، لم تفتح مذكرة ابنتها بل مدتها تقدما نحو ايثري مطالبة إياه بإيماءة قراءة ما خط برسالة ابنتها الأخيرة.

ظلم موت الحاضر والتغذية الراجعة في فتح مواجعه مذكراته الماضية، زاد من حضور توافده ضغطا على نفسية إيثري وبدت أصابع يده ترتعد من حمل تلك المذكرة اليتيمة الباقية من موت الحياة. لم يستطع رفض طلب أم الشهيدة التي تترجاه بإشارة استعطافية . كل من في الغرفة الضيقة يفيض بكاء وشهيقا مسموعا من موقف فتح كلمات شهيدة البحر الأخيرة. أول كلمة تلاها إيثري على مسامع من حضر في تلك الغرفة الضيقة وما يواليها بالاستماع من حدود الباب والنافذة الصغرى ( آه...أمي... لا تبكيني دمعا ... يا أمي في تلك الليلة صليت جمعا غروب شمس وعشاء ، في تلك الليل نلت ضعف دموعك أمي بوداع فراق متكامل … بكيت حتى جف دمعي أمي … بكيت عند خروجي من رائحة حضنك أمي… كنت أحس أن أمرا ما سيقع لي مستقبلا قريبا ...). حينها اختلط على إيثري الماضي وبكاءه الصغير على موضع موت أمه، لم يمهله الموقف من الانخراط في الشهيق المسموع، فيما كانت أم الشهيد تلملم كلماتها المتقطعة والمصدومة دون بوح واضح ومسموع. حين وصل إيثري قراءة، (... لا تبك يا أمي، وضميني صدرا قبل دفني ترابا فأنا أحن إلى قهوتك أمي… وخبزك أمي.. أمي…أمي ، ضميني صدرا أمي وقبلي جبيني . جبين من غدر به عوز الوطن وألقى به يما بالقتل المفزع...) .

لم ينته صوت ايثري سكوتا، بل تابع القراءة بمهل حزين (... لا تبك أمي ، ولتزغرد كل نساء حينا عاليا ، أحب سماعهم وأنا أمشي في نعشي… ) ، لحظتها تعالى سمع صوت زغردة على الشهيدة مرفوقة بتكبيرة (الله اكبر، الله أكبر). نادت الشهيدة في رسالتها الجميع بالقول، ( تعلمت أمي منك ومن أهل وطني أن أقف أمام غول الحياة وأجابهه بالرأي والحجة، تعلمت أمي أن أقول له أنا هنا حاضرة بذاتي و أفكاري...، لكنه أمي كان أقوى و أشد سوءا على جسمي النحيف... ) .

أسوأ يوم بعد اليوم المشهود من موت أمه يعيشه إيثري لحظات إعادة وقت ميت بطيء في بيت الشهيدة. لم يكن خروجه من منزل موت البحر إلا وكل نسوة وأصدقاء الشهيدة يقدمون له العزاء باعتباره من غامر بنفسه أمام رصاص المياه الدولية وحملها في مركب الصيد نحو المستشفى، باعتباره من بقي يداوم زيارتها حتى آخر نفس من حياة العيش الباقية، باعتباره من قام بكل إجراءات تحويل جثمانها الطاهر نحو بلدتها القصية.

ناس الحي وكل صديقات وأصدقاء موت الحياة في البحر اصطفوا بالتوازي، فيما ايثري يمر بين الصفوف وسطا ممسكا بيد أم الشهيدة. كان الجميع يردد بصوت حزين ( أجمل الأمهات التي انتظرت إبنتهاأجمل الأمهات التي انتظرتها، وعادت بلا حياة ... فبكتها دمعتين ... أجمل الأمهات التي عينها لا تنامْ تظل تراقبُ نجماً يحوم على جثة ابنتها في الظلام) .

في متم الصفوف انسحب ايثري دون أن ينظر وراء، انسحب بثقل الخطى وهو يحمل نذوب المأتم في هامش تلك المدينة التي لا تصلها الحمامة البيضاء إلا بكفن موت. عاد يحمل هم حي في أدنى تهميش حياة شعب. حين ركب الحافلة التي تعود به إلى ذلك الحي غير النائي بالبعد عن دوشة حياة المدينة، لم ينته الحزن عنده بل آثر أن يسافر معه رجوعا، لكن إيثري صاح بعلو صوته ( لنا الله يا وطن). كل من في الحافلة نظر إليه استنكارا، لكن حين لاحظوا دموع الحكرة والقهر تحملهما كرها عيناه المحمرتين من شدة قلق الحزن، أداروا رؤوسهم إلى الجانب الآخر.

مكناس/المغرب

عمارة

حوارات