640xيي360-jdAيتسرب الظلام رويدا رويداً وسط الزحمة والنسيان لتحمر الشمس خجلاً وهي ترسل شفقها الذي اصطبغ باللون الاحمر وكأنه حناء عروس ،أفِلت الشمس خلف الجبل الشاهق الذي يغطي قرية (دور شارع) التي تقع على حافة وادي ( رويْ) بغرب دارفور. يأخذ الفضاء ابعاداً والواناً متعددة حيث اصطحب الليل سحبه الرمادية لتغطي بقايا شفق المغيب ايذانا بدخوله، أعلى صفحات الفضاء الحيادي تماماً ينهض هلال الليلة السابعة متثاقلاً وهو يرسم قوسه غير المكتمل الذي يشبه اقراط النساء.

تبدا الكلاب بالخروج من منازل اصحابها لتربض امام المداخل، تعبر رائحة البصل المحمر بالسمن البلدي انف ابكر الذي تعد زوجته كلتومة عشاءاً فخما للوجبة التقليدية ( الكول) سال لعابه دفعة واحدة ثم ابتسم في سره وقال لنفسه ( ود ميسر تاكلي باليمين تشمي بالايسر) واكد لنفسه ان ليلة الخميس هذه سوف تشهد اعظم انتصار لغزواته التي خاضها على مدار أعوام عندما كان مغتربا في( دار صباح) ولم تكن كلتومة ببعيدة عن هذا التفكير فقد بدأت بتجهيز طقس ليلة الخميس منذ الصباح الباكر حيث اطلقت العجول من مرابضها وفتحت قن الدجاج واطلقت سراحهم ثم أخذت المقشة وكنست فضاء الحوش المترامي الاطراف ثم نشرت الغسيل على عيدان سور المنزل وهي تدندن باغنية ( وين يا ناس الليلة وين ) التي لايعرف مؤلفها أحد،ولا يمكن لامراة ككلتومة تعتز برجلها وبنفسها ان تنسى تنظيف حفرة الدخان واعداد حطب الطلح من أجل شواء أو تدفأة ذاك الشئ الذي يحمر خجلا على الدوام.

ربط ابكر حماره عند مدخل المنزل في المكان المخصص للحمار واخرج مخلاته ووضع قليل من الدخن ثم سكب عليه قليلا من الماء المخلوط بالملح وقدمه لحماره الذي ضرط بكل قوته فرحا وابتهاجاً مما جعل ابن ابكر الصغير يضحك ملء فمه وهويسقط على الارض.

قالت كلتومة في سرها انه بعد الانتهاء من اعداد العشاء الذي ينتهي اعداده بتجهيز العصيدة ووضعها في القرع الكبير ثم سكب قليل من السمن لاعطاء العصيدة ملمسا ناعما ونكهة شهية سوف تذهب لتقضي حاجتها ثم تغسل جسدها وبعدها سوف تكمل حفرة الدخان وحطب الطلح ما تبقى من تفاصيل. أدى ابكر صلاة المغرب في خشوع رهيب ومريب حيث تلى في الركعة قبل الاخيرة (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ثم توقف قبل ان يكمل الاية واستدرك فجأة وكانه يعترف بخطأه في ان كلتومة لا يمكن ان يجلب لها ضرة مما جعله يغير الاية بسرعة وتلى (نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنّى شئتم) وبعد فراغه من الصلاة استغفر وندم واتهم ابليس بانه يريد ان ( يخرب بيته) ويوقع ما بينه وبين إمراته.

نادت كلتومة على ابنها الوحيد واعطته عشائه ثم امرته ان ينام بعدها مباشرة ليلحق بمسيده صباحاً وللتأكد من الامر ذهبت بنفسها الى مرقده ثلاث مرات ووجدته يغط في نوم عميق وهو شبه مبتسم ففسرت الامر على ان المستقبل امامه زاهرا، تعشيا سوياً واثنى ابكر على زوجته كلتومة التي تفوح منها رائحة الدخان والخمرة واكد لها مراراً ان يدها (طاعمة ) ولمّح الى انه يتوق الى تذوق طعم اخر الليلة مما جعل زوجته تبتسم في حياءٍ مُريب.

كان ابكر ينتظر وقت صلاة العِشاء بسرعة ليفتح هدايا الخُمرة وحطب الطلح ولما طال وقت الانتظار قال لنفسه ان الله نفسه يدرك كنْه هذه الليلة التي تجئ في الاسبوع مرة وسوف يكون مضطرا للغفران لانه غفور رحيم ويدرك ما تخبئه النفوس، اضافة الى انه لديه مشاكل كثيرة هذه الايام تجعله مضطرا لاعطائها وقته مما جاء ذكره في اذاعة الـ ( بي بي سي) في نشرتها هذا الصباح.

ثم ان هناك مشاكل كثيرة يهتم بها الرب بنفسه هذه الايام مثل التضحم وارتفاع اسعار البترول ومنح الدكتوراة من جامعة جوبا لاحد الرؤساء المتهمين في جرائم ابادة الجنس البشري الذي خلقه الرب نفسه ولذلك فان صلاته المبكرة هذه لن تكن موضع النظر امام هذه القضايا الشائكة والعملاقة.

استسلم لهذه التفاسير الكبيرة وبدا في صلاته ولما وصل الى الركعة الرابعة قرا الفاتحة بدون ان يكملها وركع على عجل ثم سجد وقبل انتهاء التشهد سلم على يمينه ليجد صديقه ابراهيم ينتظره ولم يستطع ابكر اتمام الصلاة بالتسليمة الاخيرة فقد تفاجأ بهذا الضيف وفي هذا الوقت التاريخي فقال له ( جاباك شنو في يوم الخميس) اي ( ماالذي جاء بك).

فغر ابراهيم فاهه واخرج عينيه كانه يريد ان يتأكد مما سمعه ولكنه تغاضى عن الامر سريعاً، فقال له ان هناك هجوم على القرية وعليه ان يجهز سلاحه فقد يهجم الجنجويد القرية في اي لحظة.

لعن ابكر الجنجويد وصديقه ابراهيم ونفسه ثم هب من مصلاته كمن لدغته عقرب وفجأة هز حاج التوم كتفه فقد كان يغط في نوم عميق وهو متكأً على سرج حماره ابتسم ابكر ابتسامة بلهاء واسرج حماره وهو يلعن حاج التوم الذي قطع احلامه الاسطورية.

عمارة

حوارات