mohamed chtato article1 922194804محمد اشتاتو*

ظل أدب الرحلة على مر العصور وفي جميع الثقافات جنسا أدبيا متميزا، سواء كانت الرحلة بغرض الاستجمام أو الحج أو لمهمة رسمية أو للاستكشاف الجغرافي أو التجارة. ويزاوج أدب الرحلة بين الحقيقة والخيال، وبين السيرة الذاتية والاثنوغرافيا، كما يجمع بين عدد من الحقول العلمية، والأصناف الأدبية والأنساق الاجتماعية. وفضلا عن ذلك، يتطرق أدب الرحلة لقضايا تتعلق بالسلطة، والنظرة إلى الذات وثقافة الآخر، والخيال.

ويقصد بأدب الرحلة الكتابات التي تتناول الرحلة في قالب أدبي. ويتناول أدب الرحلة عادة ما يصادفه المؤلف من أشخاص وأحداث ومشاهد وما يخالجه من مشاعر أثناء ترحاله في بلد أجنبي لمجرد متعة السفر. ويسمى العمل الأدبي الفردي في بعض الأحيان مسار الرحلة.

ويشترط في العمل حتى يكون عملا أدبيا أن يقدم قصة وأفكارا متماسكة وذات قيمة، وألا يقتصر على مجرد تسجيل التواريخ والأحداث، كما لو تعلق الأمر بسجلات رحلات السفن. وغالبا ما يصنف الأدب الذي يروي المغامرات والاستكشافات في باب أدب الرحلة، رغم أن له جنسا أدبيا خاصا به وهو ما يعرف بـ "أدب الهواء الطلق" (Outdoor Literature) والذي يضم أجناسا غالبا ما تكون متداخلة ويصعب التمييز بينها بشكل دقيق وواضح.

ويحظى أدب الرحلة اليوم بحيز مهم من الإصدارات. ومع ذلك، فنادرا ما يكون توثيقا نزيها وعلميا للأوضاع التي ينقلها من بلدان أخرى. وباعتباره جنسا أدبيا، فهو خاضع لقواعد معينة. وعادة ما يبحث فيه قراؤه عن الغرابة، وعن الآخر، ومكامن الاختلاف في الأماكن التي يستكشفونها في قالب أدبي.

وقد يكون أدب الرحلة أدبا عابرا للثقافاتtranscultural أو عابرا للحدود الوطنيةtransborder ، أو قد ينقل القارئ إلى مناطق مختلفة داخل البلد نفسه.

دور أدب الرحلة في الحوار بين الثقافات

يعتبر السفر وفق معظم الأساطير والحكايات جزءاً من المغامرة الإنسانية. وسواء كانت رحلة الإنسان لعمل خيري أو نحو أرض الميعاد (سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى)، ليواجه العديد من المحن قبل عودته إلى موطنه الأصلي (أوليس)، ويقطع المسافات طلبا للحكمة من خلال لقاءات متعددة (بوذا) أو يذهب إلى اكتشاف أرض مجهولة (ابن بطوطة ، كريستوفر كولومبوس أو ماركو بولو)، فهو في آخر المطاف يغني تصوره للعالم. وقد أضحى السفر في عصرنا الحاضر جزءاً من حياتنا اليومية.

ولعل أبرز نموذج ملموس للحوار بين الثقافات هو أدب الرحلة، ذلك أن الناس انتقلوا على مدى قرون من مكان إلى مكان آخر إما للعمل، أو لطلب العلم، أو للتجارة، أو في مهام دبلوماسية، أو لغاية الترفيه، فكان التفاعل مع أشخاص آخرين من أجناس وثقافات وعقائد مختلفة. وتتخذ هذه التفاعلات أشكالا مختلفة، فتكون عنيفة ومدمرة أو سلمية وودية. ولا نقصد بالعنف هنا الاحتلال أو الغزو بل نعني به تصورا ثقافياً خاطئاً ناجما عن نقص في التواصل بسبب الأفكار المسبقة. وفي الحقيقة فإن الإنسان سيج نفسه بكثير من الحواجز ولم يشيد سوى القليل من جسور التواصل واللقاء. فهل كان ذلك بسبب الخوف؟ أم التفوق؟ أم الكراهية؟ أم إن السبب يكمن في كل هذه الأمور مجتمعة؟ وفي الواقع ليس ثمة إجابة جاهزة لهذه الأسئلة بل ثمة العديد من السيناريوهات...

ويسعى أدب الرحلة، إلى تعزيز التبادل الثقافي في مجال الأدب والترجمة عبر توطيد التعاون متعدد الأطراف الذي يشمل البحث والتحليل في مجال التخطيط والمنشورات والتدريب في مجال الترجمة وتنمية المهارات.

ويمكن تلخيص الأهداف الرئيسة التي يتوخى بلوغها في مجال أدب الرحلة في ما يلي:

تعزيز الحوار من خلال تشجيع أدب الرحلة وترجمته؛

تيسير الوصول إلى أعمال أدب الرحلة الأقل شهرة، وخاصة تلك المكتوبة باللغات المستخدمة على نطاق محدود، وتلك الأعمال الأقل حضوراً في الساحة الدولية؛

تشجيع المزيد من التنوع في الملتقيات الأدبية الدولية ونشر الأعمال الأدبية لفائدة جميع الفئات العمرية؛

صياغة منهجيات مبتكرة للإبداع الأدبي، وتشجيع الترجمة ودعمها وتدريب مترجمي الأعمال الأدبية العاملين باللغات الأقل استعمالا؛

تحفيز أنماط التواصل الجديدة متعددة الأطراف، وأشكال التعاون والمشاريع المبتكرة التي تمكن أدب الرحلة من التفاعل مع غيره من الأجناس الفنية، واستكشاف الدور الاجتماعي والسياسي للكتابة؛

تحفيز النقاش حول القضايا ذات الصلة بالحوار بين الثقافات؛

إيجاد فرص لتبادل الأفكار ونقل المهارات والمعارف، وتبادل الخبرات والموارد بين المنظمات والمؤسسات من أجل تشجيع الحوار والتواصل بين الثقافات بأفضل السبل الممكنة.

نماذج لأشهر الرحالة:

من العالم الإسلامي إلى خارج العالم الإسلامي والغرب

القرن 14:

ابن بطوطة (1304 - 1368 أو 1369)، "رحالة مغربي صاحب كتاب "رحلة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" (1355)

يعتبر ابن بطوطة الرحالة الوحيد في العصور الوسطى الذي زار كل بلاد الإسلام في عصره. كما سافر إلى سيلان (سريلانكا) والصين وبيزنطة وروسيا. وتقدر المسافة التي قطعها في أسفاره بأزيد من 75000 ميل، وهو رقم ربما لم يسبقه إليه أحد قبل عصر الطاقة البخارية.

وكان الرحالة الشهير ابن بطوطة حريصا على "أنْ لا يتردّد على طريقٍ أكثر من مرة". وقد سبق ماركو بولو بخمسين عاما للسفر على ظهور الدواب ومشيا على الأقدام وعلى متن القوارب، إلى مختلف البقاع، بما في ذلك منطقة غرب أفريقيا، حيث زار تمبكتو في مالي والنيجر. ولم يكن اهتمامه يقتصر على الجغرافيا، بل كان حريصا على الوصف الدقيق للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية ووضعية المرأة والمسائل الدينية. وعين قاضيا على دلهي، وقضى السنوات الثلاثة والعشرين الأخيرة من حياته قاضيا على فاس، بالمغرب، عاكفا على كتابة مؤلفه الشامل لأسفاره.

ابن بطوطة (1304 - 1368 أو 1369)

وخرج ابن بطوطة في أولى رحلاته في 1325 حين كان في سن الحادية والعشرين. وقد كان خروجه لأداء فريضة الحج. وامتدت أسفاره لنحو تسع وعشرين عاما، قاطعاً حوالي 75000 ميل لزيارة ما يعادل 44 دولة حديثة.

وواجه ابن بطوطة العديد من الأخطار وعاش الكثير من المغامرات في رحلاته، حيث تعرض لهجمات قطاع الطرق، وكاد يهلك في غرق سفينة بل كادت تقطع رأسه من قبل أحد الحكام الطغاة في أحد أسفاره!

وفي السنوات الأخيرة من حياة ابن بطوطة، أمره سلطان المغرب آنذاك أن يدون أسفاره في كتاب بمساعدة أحد الكتاب. ويمكننا اليوم قراءة ترجمات عديدة لكتاب رحلات ابن بطوطة. وهو عمل قيم يحمل وصفا دقيقا للأماكن، وقد ساهم في فهمنا للعصور الوسطى.

القرن 19:

رفاعة الطهطاوي (1801-1837)، عضو بعثة مصرية إلى فرنسا

"تخليص الإبريز في تلخيص باريز" (1834).

رفاعة الطهطاوي (1801-1837)

ولد الطهطاوي عام 1801 في طهطا، إحدى مدن محافظة سوهاج حاليا، في نفس السنة التي خرجت فيها القوات الفرنسية من مصر. وقد اختاره شيخه في الأزهر، حسن العطار، ليكون إماما لمجموعة من الطلاب أرسلهم محمد علي في بعثة علمية إلى باريس عام 1826. وقد أرسلت مصر عدة بعثات إلى أوروبا في بداية القرن 19 لدراسة الفنون والعلوم في الجامعات الأوروبية واكتساب المهارات الفنية مثل الطباعة وبناء السفن والتقنيات العسكرية الحديثة. وحسبما جاء في وصف رحلته إلى باريس، فقد درس الطهطاوي فلسفة الأخلاق والفلسفة الاجتماعية والسياسية والحساب والهندسة، واطلع على مؤلفات عدد من رموز عصر الأنوار مثل كونديلاك، وفولتير، وروسو، ومونتسكيوه، وبيزوت.

كان الطهطاوي كاتبا ومدرسا ومترجما وعارفا بالآثار المصرية ومثقفا من مثقفي النهضة. كما كان من أوائل المفكرين المصريين الذين كتبوا عن الثقافات الغربية في محاولة للتقريب بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية. وقد أنشأ "مدرسة الألسن" عام 1835 وكان له دور كبير في تطوير العلوم والقانون والأدب وعلم الآثار المصرية في مصر خلال القرن 19، وتأثرت بمؤلفاته كتابات عدد من المحدثين، بمن فيهم محمد عبده.

من الغرب إلى العالم الإسلامي

القرن :17

الليدي ماري ورتلي مونتاغيو (Lady Mary Wortley Montagu) (1689-1762)، التي اشتهرت بالرسائل التي كتبتها خلال رحلاتها العديدة، والتي كانت لها أهمية بالنسبة لكاتبات الرحلة في العصور المتأخرة.

"رسائل السفارة التركية": وهي رسائل تصف فيها حياتها باعتبارها زوجة سفير في تركيا، وتكمن أهميتها في كونها من الكتابات النسائية الأولى التي تناولت العالم الإسلامي.

بين عامي 1716 و1718، رافقت الليدي ماري ورتلي مونتاغيو زوجها خلال توليه منصب سفير لدى الإمبراطورية العثمانية، حيث سافرت برا عبر فيينا وجنوة وباريس. وتضم "رسائل السفارة التركية" مختارات من الرسائل التي كتبتها خلال مدة السفارة المذكورة، والتي كرست لها كل حياتها رغم أنها لم تنشر إلا بعد وفاتها عام 1762.

أحد المعاصرين لليدي ماري ورتلي مونتاغيو قال عنها إنها "واحدة من ألمع وأروع الشخصيات في العالم". فرسائلها المذكورة تحكي عن أسفارها عام 1716 عبر أوروبا إلى تركيا حيث عين زوجها سفيرا. فقد جاءت الرسائل ممتعة بفضل حيوية الليدي ماري التي أمدتنا بذكائها الفريد بأفكار شكلت استثناء في عصرها. وبفضل قدرة الليدي ماري على دراسة ثقافة أخرى انطلاقا من قيمها الخاصة وعلى رؤية نفسها بعيون الآخرين، فقد ظلت علما من أعلام كتاب الرحلة الأوائل.

الليدي ماري ورتلي مونتاغيو (Lady Mary Wortley Montagu) (1689-1762)

وبعدما مالت موازين القوة من الإمبراطورية العثمانية نحو أوروبا غداة معركة "ليبانتو" عام 1571، ورغم أوجه الشبه بين الشرق والغرب من حيث وضع المرأة المتخلف، فقد صار ينظر إلى المرأة "المحجبة" باعتبارها مظهرا صارخا من مظاهر "اللاعقلانية" في الإسلام. وبذلك، فلا غرو إن كان أدب الرحلة الذي ازدهر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، يعج بالحكايات عن قهر "المحجبات" تلبية لفضول القراء التواقين إلى قصص تحكي عن الشرق وعوالمه "العجيبة".

وكان لهذه الحكايات عن نساء الشرق، وهي "من وحي الخيال" في معظمها (حيث كانت أوساط الحريم ممنوعة على الرجال)، انعكاس في عدد من الكتابات مثل "وصف شامل ودقيق للحالة الراهنة للإمبراطورية العثمانية" لآرون هيل (Aaron Hill)، و"رحلة جديدة إلى الشرق" لجون ديمونت (Jean Dumont)، و"رحلات قديمة في الشرق" لجون كوفل (John Covel)، و"رحلة إلى الشرق" لروبرت هايوود (Robert Heywood). واعتبارا لطبيعة هذه النصوص التي تميزت بنظرتها المتلصصة والساخطة في الآن نفسه، فقد حولت الأنظار عن الفوارق التي كانت سائدة بين الجنسين في الداخل، فقدمت الشرق كعالم يحتاج إلى من ينقذه، مما ساهم في بلورة صورة أوروبا حرة عادلة متحضرة وشكل دعما لدور الإمبراطورية. كما مكنت هذه المحكيات القارئ الرجل من عيش دور البطل، من جهة، وإشباع استيهاماته الجنسية ونزوعه إلى الهيمنة من جهة ثانية.

ومع ذلك، فالليدي ماري ورتلي مونتاغيو، وهي من النساء الرحالة الأوائل اللائي جبن ربوع الإمبراطورية العثمانية، قد تصدت لمثل هذه الحكايات التلصصية حول المرأة التركية واستعبادها من خلال التأكيد على ضرورة تحرير النساء "المحجبات". فقد تمكنت في "رسائل السفارة التركية" من خلخلة الخطاب الاستشراقي السائد، حيث كسرت ثنائيات الشرق والغرب، والحداثة الغربية والعقل، والتخلف الشرقي واللاعقلانية، وذلك على الأقل من خلال كشفها عن حقيقة المرأة "المحجبة". وفي إطار هذا الوصف، لجأت الليدي ماري ورتلي مونتاغيو إلى التقليد السائد في قصص الرحلة إبان القرن الثامن عشر والمتمثل في الإمعان في القصص الخيالية عن استغلال المرأة الشرقية واستعبادها وفي "التحسر على الحجز الممارس على النساء التركيات"، إلا أنها تحول نظرها بعد ذلك إلى جسدها المسجون. وتنقل الكاتبة في رسائلها مشهدا طريفا في الحمام العمومي حيث أجبرت على التجرد من كل ملابسها بإلحاح من المستحمات التركيات اللائي تعودن على ذلك. ففي هذا المشهد الذي تنزع فيه قميصها بشكل مثير ومستفز للقارئ، تسلط الكاتبة الضوء على النظام الاجتماعي الإنجليزي وتعقد مهمة القارئ المتعود على البطولة في النصوص الكولونيالية. إن التعري بهذا الشكل لا يشير إلى حرية بلا قيود، بقدرما يعكس نظاما اجتماعيا غربيا يحكم العلاقة بين الجنسين ويتخفى وراء خطاب العقلانية.

وبذلك، فإن كتابة مونتاغيو عن تركيا تعاكس مُسلّمات النمط الكولونيالي السائد في أدب الرحلة في عصرها، والذي تميز بدعمه لبناء الإمبراطورية، وتفتح المجال لنقد النزعات الكولونيالية.

القرن19 :

جون ليود ستيفنز (John Llyod Stephens) (1805-1852)

"وقائع السفر في مصر، والجزيرة العربية البترائية والأرض المقدسة" (1837)

"وقائع السفر في بلاد الإغريق وتركيا وروسيا وبولندا" (1838)

جون ليود ستيفنز (John Llyod Stephens) (1805-1852)

ولد الرحالة جون ليود ستيفنز في شروسبوري (Shrewsbury) ببلدة مونموث (Monmouth County)، بنيو جيرزي، في 28 نوفمبر 1805 وتوفي في مدينة نيويرك في 10 أكتوبر 1852. تخرج من جامعة كولومبيا في 1822، ومارس المحاماة بعدما درس القانون في كونيكتيكات ونيويورك. وقد زاول هذه المهنة طيلة ثمان سنوات في نيويورك، وخلال هذه المدة كان ينبري أحيانا خطيبا في اجتماعات الحزب الديمقراطي الذي كان من أشد مناصريه. وبسبب تدهور حالته الصحية، سافر إلى أوروبا عام 1834 طلبا للراحة والنقاهة، ووصل به الترحال إلى بعض أقطار آسيا وإفريقيا على طول الساحل المتوسطي. وقد كتب مجموعة من الرسائل يصف فيها رحلته، وقد نشرها في مجلة "American Monthly Magazine" التي كان شارلز فينو هوفمان يترأس هيئتها التحريرية. وبعد عودته إلى نيويورك سنة 1836 اكتشف أن تلك الرسائل قد لقيت إقبالا منقطع النظير من لدن قراء المجلة، مما دفع به إلى نشر "وقائع السفر في بلاد الإغريق وتركيا وروسيا وبولندا" في جزأين، في نيويورك عام 1937، والتي قدم فيها وصفا مفصلا لأسفاره.

*أستاذ جامعي

عن هسبريس

عمارة

حوارات