201يي8101يي3 202450تصحو من نومك على صوت منبه الهاتف. تدلفُ الى المغسلة لتزيل من عينيك الضيقتين بقايا النعاس الذي يعلق بهما. تعود كما كنت قبلاً، لم يتغير فيك شيئ غير وجهك الذي تضاعفت فيه ملامح الزيف والخداع التي تمارسها على نفسك قبل غيرك.
فقد اكتشفت بأن دورة المياه اصبحت دورة الفراغ من مدة ليست بالقصيرة وأن هاتفك معطل من شهور، ناهيك عن عدم وجود اعمدة كهرباء بالحي الذي كنت تقطنهُ. تصب اللعنات على الحكومة. تعنّف نفسك، تعنّف وتتوعد ذلك الذي تسلل من عالم الاحلام وانتحل شخصيتك بعد سماعك للقصة من ابيك. تلعن الشيطان، ترتل تعويذات رتيبة لا تعرف معانيها ورثتها من ابيك الذي ورثها هو الآخر من جدك.
يسرّج جاركما "عبد الكريم" خيول دهشته عندما يسمع أباك يحكي لأحدهم قصة الجني الذي انتحلك بالبارحة. يستغفر.. يحوقل.. يسأل نفسه في استنكار مغلوط ببكاء صادق. كيف لك ان تنام بلا وضوء، تكتشف بأن ذلك الـ "عبد الكريم" لم يكن سوى احدى شخوصك التي تاهت بين اخواتها ذات يوم لم تكن تذكرهُ الآن.
تجلس على الكرسي ترتشف القهوة وانت غارق في التفكير فيما حدث البارحة حسب زعم والدك، ينتشلك من دوامة تفكيرك هذا؛ ذاك الذي يبحث عن صوتٍ له ضاع بين غصون شجرة النيم ذات شجار مع حبيبته في امر ما بأحد الصباحات، امر تافه لا يستحق الشجار؛ تستخرج ورقة صغيرة تحتفظ بها بين تلافيف دماغك كنت تدون عليها بعض ذكرياتك، دوّنت عليها اولى الحكم التي تداعت الى نفسك بذلك الصباح "النظر الى التافه يخصم من قدرتنا على الاهتمام بالثمين دون وعي منّا".
تمضي في هذيانك. اقصد في سردك لقصة عصفور ثرثار يمتطي فرعا صغيرا بشجرة النيم التي تشغل فراغ مطابق لشكلها بمنتصف منزلكم، يبحث عن صوته وحبيبته اللذان ضاعا منه بين الفروع بذاك الصباح التي تكلم فيه بحدة مبالغة. ينهكه حماسه الزائد في البحث. يمسح العرق من جبينه، يحسّ بجفاف في حلقه. تراوده فكرة النزول لشرب الماء، ينظر الى وجهك، يعدل عن الفكرة.
ريح ناعمة تهب من جهة لا اسم لها. تهتز حبال صوتية مترهلة انهكتها نواح الفقد وتسفار البحث الطويل، يكتشف شيئاً جديداً. صوتا مخبئاً بين حباله الصوتيه منذ ان خُلق. انت ايضا تكتشف شيئاً جديداً، أن العصفور كان بلا صوت!.
تخرج الورقة للمرة الثانية تدوِّن عليها "نحن ننظر للأمور بالشكل الذي نريده لا بالذي ينبغي ان ننظر به وذلك هو ما ينبغي"
تهب ريح آخرى يكتشف معها العصفور صوت آخر جديد مختلف عن سابقه، ومع كل ريح تهب يكتشف اشياء جديدة كان يجهلها وانت كذلك. يكف عن البحث عن صوته الأول، يشرع سريعا في التأقلم مع اصواته الجديدة. يبرع في المزج بين اصواته المتعددة المتناقضة. وبذلك يكون قد برع في تقليد اصوات عدة بما فيهم صوته الأول. يقلد اصوات فنانين ومهرجين... ائمة بالمنابر... نزلاء بزنازين التعذيب... جياع ومرضى بالمستشفيات والمخيمات.
وفي احدى المرات يجد نفسه دون وعي يقلّد احد فنانيك المفضلين " لا قدرت اطولك شان اجيك... لا قدرت من غيرك اكون... وانا بيكي ما ليني الكلام... حركت بيك عصب السكون.. جلبت ليك الغيم رهط.. طرزت ليك النيل زفاف... حرقت ليك الشوق بخور"
تنسى بقية مقاطع الاغنية، تصب لعنات لا بأس بها على ذاكرتك التي دائما ما تتمرد عليك وتتنتقي بنفسها ما تريد ان تحفظه وتنسى ما لا تريده، يحدث ذلك دون ارادتك.
تلعن العصفور الذي نبش ذكرى قديمة تخافها. تلتقط حجرا صغيرا لتقذفه به، تتراجع عن قرارك بلا سبب واضح، يتمادى العصفور في فعلته. يقلد اغنيه تلو الأغنية. تتماهى في ذهنك اصوات العصفور مع صوت ابو السيد الحقيقي رسول الاحاسيس النبيلة كا تحب حبيبتك السابقة ان تناديهِ.
تهب ريح أخرى، تتصارع غصون الشجرة في دموية. يطير رسول الأحاسيس النبيلة مرعوباً. تمد يدك لتتناول الورقة من بين شقوق دماغك لتدون شيئ ثالث تعلمته. تتفاجئ بعدم وجود الورقة!. لقد طارت مع رسول الأحاسيس النبيل ذات ريح قوية.
تذهب لغرفتك، تأخذ ورقة من رزمة الورق المردوم على الطاولة. لكنك تجد نفسك قد فقدت القدرة على الكتابة، واصبحت بلا ذكريات.

ا ل ن ه ا ي ة ...

عمارة

حوارات