20180727 1448251حوار: زكي المدير: صدرت مؤخراً عن دار فراديس البحرينية رواية “العاري” للروائي حسين العلي (مواليد مدينة الأحساء السعودية 1957). وتأتي هذه الرواية بعد عدة مجاميع قصصية، نذكر منها: “الآن”، “سفر المرايا”، “أخاف من مريم”، بالإضافة إلى كتاب عن أنطولوجيا القصة القصيرة في مدينة الأحساء “أصوات قصصية أحسائية”، الذي رصد فيه أهم الأصوات القصصية من خلال ملتقى قصصي كان يشرف عليه قبل أن يتم إيقافه بإيعاز من وزارة الثقافة والإعلام. ويعكف العلي حاليا على مجموعة أعمال سترى النور قريباً منها: رواية العبيد ورواية الطريق إلى مكة. ومجموعة قصصية باسم “سعادة الحمار”.

تعلم حسين العلي في الكتاتيب ثم التحق بالحوزة الدينية، وفي عام 1970 هرب من الحوزة إلى ذاته، حيث مارس كل الأعمال: النجارة والحدادة والدهان والبناء وغيرها من المهن اليدوية. وفي نفس العام، وبينما كان يعيش بروليتاريّته قرأ أول رواية مترجمة وجدها فجرا ملقاةً قرب أحد المساجد وهو ذاهب لشراء الخبز من أجل العمال. كانت رواية دون غلاف، فلم يتبيّن مؤلفها، لكن عوالمها غيّرته من الجذور، وجعلته كائناً آخر حتى اللحظة، وتحول إلى القراءة والكتابة والرسم. “العرب” كان لها الحوار مع القاص والروائي السعودي حسين العلي للحديث معه حول تجربته الروائية الأخيرة وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.
الرواية والواقع

تعدّ “العاري” رواية المناخات النفسية المضطربة بإنسانيتها، المأزومة بالوجود والمعنى، فكل الشخوص والأزمنة والجغرافيا في حالة تساؤل وقلق معرفي متنام منذ اللحظة السردية الأولى التي يفتح لها العلي الباب بسؤال حول الإنسان ومآلاته من خلال فتاة ليل ضائعة في مصيرها، لهذا تستمر الرواية بمجموعة علامات استفهام تحاول أن تقدّم ما هو كائن لا ما يجب أن يكون. إنها تبحث عن: لماذا وكيف وهل. إذ وحدها التجارب الإنسانية العميقة هي التي تصقل الكاتب، وتشكّل عوالمه، فهو ينطلق من خلال ما يعيش، لا من خلال ما يقرأ، ليكتب ما اختبره بنفسه، ويخطّ ما جرّبته يداه، متنقلاً من تجربة إلى أخرى، ومن عالم إلى آخر.

يقول العلي متحدّثاً لـ”العرب” عن الرواية “السؤال الإنساني القلق هو السحر الذي يسيطر على الرواية، من خلال حياة شخوصها وسلوكهم وكل مناخاتها منذ أول حرف. لا شيء سوى السؤال عن المعنى لكل شيء. هي رواية تبحث عن معنى إنسانية الإنسان إن كان ثمة معنى له”.

ويضيف “لأن الرواية في اعتقادي ليست حكاية للتسلية أو تزجية للوقت، بل هي عالم موازٍ للواقع، وخُلقت لتحمل مساحة إنسانية لا يستطيع حملها أو إتاحتها الواقع المعاش بشروطه وإكراهاته، وبالتالي الرواية بقدر ما تعطي الكاتب حرية مطلقة، تُحمّله وتُلزمه في آن أن يغوص في عمق المعنى، ليستخرج حياة حقيقية يقدمها للمتلقي الافتراضي. بمعنى آخر الرواية مسؤولية مطلقة وكبرى، لخلق عالم موازٍ للحياة. وهذا احتاج مني زمناً امتدّ إلى سبع سنوات، وإلى السفر للعديد من المناطق، والحوار بل العيش مع بشر من كل جنس، لأنقل صدق معاناة الحياة اليومية فيهم وبينهم، ورصد البيئة المختلفة ومعالم النفس البشرية المتعددة، بل احتاجت تلبس واقع آخر، هو واقع له قسوته وبهجته في آن يكون حقيقة روائية مطلقة”.

وفي سؤال عن الأسباب الفنية التي دفعته إلى الانتقال من منصة القصة القصيرة إلى فضاءات الرواية. يجيب الكاتب “منذ البداية يقال لي إن قصصي القصيرة تختمر فيها روح الرواية، ولا أظن أن ثمة فرقاً كبيراً بين من يكتب القصة بنهج الرواية أوالعكس، أي الرواية التي تحمل معنى القصة، فالإنسان هو الغاية والمركز في كلا النصين. وأظن أن عوالم الرواية السحرية التي تتيح للكاتب أن يمضي عميقا في إنسانية الإنسان هي الدافع السري لأخذي وتحولي اللاشعوري إلى عوالمها”.
التحرر من الغيبوبة

القصة رصد للحالات الإنسانية الجامعة القصة رصد للحالات الإنسانية الجامعة

في العام 2011، أسس حسين العلي ملتقى السرد بمدينة الأحساء (شرق السعودية). ثم توقف الملتقى بناء على أمر صادر من وزارة الثقافة والإعلام. وقد أصدر العلي من خلال هذا الملتقى معجماً أنطولوجيا تحت عنوان “أصوات قصصية أحسائية”.

وعن الملتقى وتوقفه يحدثنا العلي قائلا “ملتقى السرد في الأحساء كان منصة إبداعية ورافداً من روافد المؤسسات الثقافية، وقد قدم أكثر من ثلاثين أمسية ثقافية في وقت قصير جداً، واستضاف العديد من الوجوه الثقافية، وأيضا استقبل القناة الثقافية السعودية المتلفزة لتسجيل العديد من اللقاءات الأدبية. وبناء على طلب وزارة الإعلام توقف دون أن يبدوا لنا سبباً معيناً. أما إصدار المعجم فكان ضرورة لرصد وتوثيق المشهد القصصي بالأحساء. وهو جزء أول على أمل صدور الجزء الثاني”.

المكوّن التاريخي والجغرافي والاجتماعي في الأحساء مكتنز بالحكايات وبالعمق الإنساني القادر على كشف العلاقات الوجودية في الأعمال الروائية. وقد استطاع الروائي المحلي الاشتغال السردي الحقيقي على هذه الأبعاد المكانية والتاريخية والجغرافية مستفيداً من العادات والتقاليد والأعراف بصيغة سردية ضمن تفاصيل النص الدقيقة.

يقول العلي “هذا هو الحلم في الأحساء، فهي منطقة متخمة بعمق إنساني دفين وله عوالمه السحرية في الحياة. الأحساء الحب والماء والصحراء وحكايات البشر والنبات والصمت والطين والتمر. كيف للإنسان رصد واصطياد وترويض كل هذا؟! هذا ما يجعلني أكاد أصاب بالجنون مما أعرفه عن هذا السحر العصي على السرد، بالتالي لا يمكن لأي أحد أن يدعي أنه استطاع رصد أو حتى الاقتراب منها، فهذه الحالة الإنسانية السحرية التي تحتاج لقوة إبداعية مطلقة لإبراز ولو القليل جداً من المخزون الإنساني في هذه المنطقة من الشرق. لكني لازلت أحلم”.

ويتابع “كوني أحسائياً، ففي كل لحظة من حياتي هي حالة جديدة حالمة، أحاول جاهداً رصدها على الورق، ثم أعود وأصدر عليها حكم الفناء، وأبدأ من جديد كطائر النار، لأنني أريد تحقيق حلم عبر الحروف، حروف يسحقها الواقع، وتتجدد رغم الموت، ورغم الرماد، ورغم التيه”.

وفي هذا الشأن يرى العلي أن “التجربة القصصية في السعودية -حتى الآن- تجربة جديدة على المستوى الزمني والإنساني ولم تضرب بعد في عمق الجذور، لتكون شاهداً حقيقياً على حضارة الإنسان ومعناه وقيمته في ذاته، لأن هذا النوع من الأدب يحتاج لمناخات من الحرية الناضجة،
ولزمن من العطاء المسؤول، والعميق المبني على وعي مطلق، وقدرة على الوعي والاستنباط والرصد للحالات الإنسانية الجامعة والمفردة ليحررها من غيبوبتها التي صهرها الفكر الديني الأحادي وجعلها لا شيء دونه. ونحن لازلنا في أول الطريق لكننا سنكون”.

عن صحيفة العرب

فنون وتشكيل

محطات إبداعية