حوار ــ أحمد عبد العظيم: د. صلاح فضل قامة كبيرة فى مجال النقد الأدبى حصل على جائزة النيل هذا العام تقديرا لجهوده المتميزة على مر عقود طويلة، تبنى خلاله2018-636685831158146523-814نهجية تسهم فى استكشاف معالم النصوص بشكل لا يحدث أى قطيعة بين التراث والمعاصرة، عن طريق إعادة إنتاج هذه المناهج بما يتلاءم مع قيمنا الاجتماعية والثقافية والسياسية لإيجاد صيغة للتعايش الممكن، ونسق إنسانى متكامل من خلال النص الأدبى، ويتجلى ذلك فى كتبه العديدة منها نظرية البنائية فى النقد الأدبي، ومنهج الواقعية فى النقد الأدبي، وأساليب السرد فى الرواية العربية وغيرهم. وعن رؤاه النقدية وأفكاره المستحدثة فى مجال الفكر النقدى أجرينا هذا الحوار:

كيف استقبلت خبر فوزك بجائزة النيل؟ وما الذى ينقص الجوائز الأدبية حتى تؤتى ثمارها؟

جائزة النيل تعد التتويج الأبرز لأعلام أضافوا للفكر والثقافة والإبداع منجزات غيرت من السائد وحفرت خطوطا جديدة للمستقبل، ولا يسعنى إلا أن أشعر بالغبطة والامتنان للهيئات التى تكرمت بترشحى عبر عدة دورات، وللزملاء الذين غمرونى بعطفهم فاختارونى هذا العام، ولكن الجوائز يمكن أن تكون إكليل غار عندما تهدى إلى من يستحقها عن جدارة، ويمكن أن تصبح وصمة عار لمن تسقط بين يديه عن غير استحقاق، والمحكمون هم الذين يقررون من الذى يستحق، والجوائز لها جوانب مادية بنظرائها من الجوائز العربية والعالمية قد تبدو ضئيلة ولكنها بالنسبة للبلد الذى يمنحها تعتبر فى قمة الدرجات، لكن الأهم فى هذه الجوائز الجانب الأدبى والمعنوي، ومنذ فترة والجوائز المصرية تفتقر لاستكمال هذا الجانب ويتمثل فى أهمية أن يقوم رئيس الدولة بتسليم هذه الجائزة للفائزين بها

كيف تلمست الطريق إلى مهنة النقد الأدبي؟ ومن هم المفكرون الذين أثاروا شغفك بالنقد؟

عندما نشأت فى بيئة علمية أزهرية فى الخمسينيات من القرن الماضى كان ألق الأدب ووهج الشعراء وزعامة المفكرين للحياة العامة وقيادتهم للرأى وهو الذى لفت النظر بقوة للأدب والنقد، كما تنبأ لى جدى وأنا طفل بأننى سأكون ناقدا، فقد أرسلنى ذات يوم إلى مكتب التلغراف لأبعث برقية إلى صديقه الشيخ محمد عبد اللطيف دراز الذى تولى مشيخة الأزهر يقول نصها «ترقى وتهنئ» فقلت لجدى أوجزت وأفدت لأنك هنأته على الترقية ودعوت له باستمرارها، وهنأته مقدما عن الترقيات القادمة فقال لي:أنك ناقد ذكى منذ ذلك الحين وفكرة النقد تراودنى عن نفسها .. وعندما نجحت فى السنة الأولى فى كلية دار العلوم بامتياز سألتنى طالبة فى حوار نشر فى صحيفة الحائط عما أريد أن أكون فى المستقبل قلت لها سأكون ناقدا، وعندما تخرجت اختارنى د.إبراهيم أنيس عميد الكلية ورائد مدرسة اللغويات الحديثة فى الوطن العربى لأكون معيدا بقسم الصوتيات فقلت له: سأقبل الوظيفة لأننى أحتاجها ولكنى سأهرب منها فى أقرب فرصة فلا تلمنى بعد ذلك، وبالفعل خطوت فى مشروعى النقدى بعد سفرى للبعثة إلى أسبانيا وما بعدها.

وقد أثارت كتابات طه حسين والمازنى ذات الأسلوب الطريف والدكاترة زكى مبارك ومحمد مندور شيخ النقاد ثم لويس عوض- شغفى بالنقد على وجه التحديد - وخاصة عندما ذهبت إليه منذ ثلاثة عقود أدعوه إلى الانضمام للجمعية المصرية للنقد الأدبى وكنت أشارك فى تشكيلها مع د.عز الدين إسماعيل فقال: النقاد لو نجحوا فى تأسيس جمعية يخربون بيت أى أديب يتحاملون عليه، وأنا أحمل أختام النقد الأدبى فسألته:ما هذه الأختام وأجابنى متسائلا لو أمسكت بقطعة من الذهب كيف تتأكد أنها ذهب وما عيارها؟ قلت:بخاتم مصلحة الدمغة والموازين، وكذلك لا يكون الأديب أديبا إلا إذا اعترفت به فقلت: سأسرق منك هذه الأختام وضحك قائلا : مستحيل أن أسلمها لك - وهذه دعابة مفادها أن النقد سلطة شريطة أن تكون رشيدة ونزيهة وأن تكون حقيقة وصادقة عندما تضع معاييرها حتى تستطيع أن تصنف المواهب والأقدار- وينبغى على من يحمل هذه الأختام أن يفتح صدره للمعارضة ويرحب بالخارجين عليه، أصبحت أحرض تلاميذى على أن يأخذوا موقفا نقديا تجاه أعمالى الفكرية.

بين الناقد والأديب هل يوجد بينهما طرف ثالث؟ وهل ترى أن النقد الصحفى يتكامل مع نظيره الأكاديمى أم أنه نقد هامشى يغلب عليه طابع المجاملة؟

هناك أطراف عديدة تقوم بهذا الدور من أهمها جماعة القراء، وهم الذين يكذبون الناقد أو يصدقونه ويعدلون أحكامه ويوجهونه أيضا، والزمن والتاريخ هو الناقد الأعظم فهو الذى يصدر الحكم النهائى علينا جميعا بان يبقينا أو يمحونا من ذاكرته إلى الأبد، وتعدد مستويات النقد أمر تفرضه تفاوت درجات التلقي، فالناقد الأكاديمى يبتكر الأفكار النقدية أو يستفيد من تياراتها العالمية، والناقد الصحفى عليه أن يحيط علما بها ويخلصها من مصطلحاتها وتعقيداتها ويذيبها فى شراب صائغ يمثل جرعة أدبية وثقافية ممتعة للقارئ، وإذا فشل كل فى أداء دوره أنطفأ مصباحه النقدي.

المناهج النقدية الغربية هل يمكن التوفيق فيما بينها كمحاولة لإيجاد رؤية كلية للنص الأدبي؟

دعنى أوضح الأمر على النحو التالي، المناهج العلمية عامة لا تعترف بوجود نظريات غربية وأخرى شرقية بل هى إنسانية تمثل تقدما فى المعرفة، وقد كانت الحضارة الإسلامية منارة تضيء ظلمات الغرب بعقلانية ابن رشد فى الفلسفة وابن خلدون فى علم الاجتماع وكشوف ابن الهيثم ابن حيان وكوكبة من العلماء فى نظريات الضوء والفلك والكيمياء والجبر وعلوم أخري، ولكن بعد أن تخلفنا عن مواكبة الحضارة الحديثة نستقى المعرفة من الآخرين ونتكيف بها ونرقى إلى مستواها حتى نضيف إليها، يحدث هذا فى علم النفس وعلم الجمال واللغة والأدب على السواء، وعندما نستوعب منجزات التقدم العلمى فى هذه المجالات الإنسانية لا نعد مستوردين لبضاعة غربية ولا شرقية، ولكننا منخرطون فى حركة العلم الإنساني،هكذا فعل رواد النهضة، وأنا لم أخرج عن الزخم الأدبى والتراث النقدى العربي.

وفى الأدب واللغة هناك جانبان متلاحمان هما: الجانب العلمى الذى أشرنا إليه فى الفقرة السابقة والجانب الآخر الثقافى الأيديولوجى المتصل باللغة وبالميراث الثقافى وهذا الذى يكيف التطبيقات العلمية، وسأضرب لك مثلا على ذلك من وحى تجربتى الشخصية لقد حاولت استيعاب نظريات الشعرية فيما اطلعت عليه فى المذاهب النقدية المختلفة ثم اجتهدت لإضافة منظور جديد إليها شرحته فى كتاب «أساليب الشعرية المعاصرة»، وعندما بدأت فى تطبيقه على أكبر شعراء العربية فى النصف الثانى من القرن العشرين اضطررت إلى تغييره ليتواءم مع إنتاج هؤلاء الشعراء، وهذا نتاج مصرى عربى لو ترجم إلى اللغات الأخرى سيشكل إضافة فيما أظن، ومن ناحية أخرى حاولت أن أبتكر مقياسا لأنواع التخيل فى الرواية العربية ولأننى كتبت فى السنوات الأخيرة قرابة 200 بحث ومقال عن أنضج وأجمل الروايات التى صدرت فى العقدين الماضيين فقد قمت بتصنيفها إلى 7 أنساق للتخيل الروائى وهي:التخييل الذاتى والجماعى والتاريخى والفانتازى والأسطورى والسينمائى والعلمي، وكل ذلك تجده فى أخر كتاب صدر هذا العام.

بمناسبة الحديث عن أنواع التخيل بما فيها الفانتازى والعلمي، هل نقد أدب الخيال العلمى يحتاج أدوات إضافية على الناقد أن يتزود بها؟

هذا السؤال مهم وأعتقد أننى أشرت فى الكتاب الذى شرحت فيه هذه الأنساق إلى أن عدد النماذج التى تطبق فى ميادين الخيال العلمى محدودة للغاية فى الإنتاج العربى الآن، لعل ذلك يعود إلى ضعفنا الشديد فى مستوى التفكير العلمى وقاعدة البيانات المتعلقة به، وهذا النوع من التخيل يحتاج إلى كفاءة عالية من المبدع كى يبنى تصوراته المستقبلية عن الأوهام والشطحات الخرافية، كما يعتمد فى الدرجة الأولى على آخر الأبحاث التجريبية عن المناطق التى سوف تكتشف فى مجال سيطرة الإنسان على قوانينه الخاصة فى جسده ومجتمعه وفى الكون من حوله، وبمقدار ما يصيب من التنبؤ والاستنتاج يستطيع أن يعلو إلى مستوى رفيع من الخلق الإبداعي، وأن يقدم فنا مستقبليا حقيقيا، أما ناقده فلا يمكن أن يكون أقصر منه باعا أو أقل كفاءة أو أدنى معرفة فى هذه المجالات بل ينبغى عليه أن يكون فى موقع الحكم الذى يدرك قوانين التطور ومؤشرات المستقبل حتى يميز فيها بين الخيال الصحيح والوهم الكاذب، وهذه درجة من المعرفة لا يتقنها إلا علماء الأدب أو أدباء العلم.

كيف ترى دور الأدب فى ضوء المتغيرات الاجتماعية والعلمية والسياسية المتلاحقة؟

كانوا قديما يقولون «الأدب فضلوه عن العلم» وكانوا يقصدون بذلك أن الخلق المستقيم والمعاملة الحسنة أبلغ من جميع المنجزات العلمية، وفى تقديرى أن مفهوم الأدب يشمل الإبداع من شعر وسرد ومسرح وأيضا الفنون غير اللغوية مثل السينما والتليفزيون والوسائط الإعلامية، كل هذه الفنون تقوم بدور بالغ الخطورة والأهمية فى ترقية الوجدان وتنمية المعرفة بما يجعله أشد خطورة من الاكتشافات العلمية والتطبيقات التكنولوجية بالغة الأثر، والتى جعلت مجالات الفن والأدب لا تقتصر على النخبة من القراء والباحثين كما كانت فى الماضي، بل زادت لتغرق بفيضها الممتع ملايين المشاهدين والمشاركين مثلما يحدث فى وسائل التواصل الاجتماعي، هناك تطور مذهل فى العقل البشرى ينسجم مع تلك التطورات، هناك تغيير جذرى فى الأذواق والأفهام، الطفل الذى يتقن تأمل الشاشة على جهاز الكمبيوتر يؤذن بميلاد إنسان جديد، والبشرية تكتب تاريخا حداثيًا يمارس القطيعة مع تواريخه العتيقة كلها، وعلينا أن نلتفت لأثره فى الفرد والمجتمع.

عن الإهرام المصرية

فنون وتشكيل

محطات إبداعية