438مطلع شهر أغسطس آب، صدر بالإنكليزية، كتاب "نحال سنجار" للشاعرة والصحافية العراقية، دنيا ميخائيل. والكتاب الذي يقف على تقاطعات الاستقصاء الصحافي، وأدب الحرب، والمذكرات الشخصية، والشعر، هو ترجمه لكتاب ميخائيل الذي صدر بالعربية قبل عام، من أصدار منشورات المتوسط ، بعنوان: "سوق السبايا".

خضعت النسخة الإنكليزية لبعض التعديلات الهامشية، مقارنة بالأصل العربي، لكن تغيير العنوان، ينقل ثقل السردية، وبؤرة تركيز القاريء من سوق السبايا الذي بيعت فيها الفتيات الإيزيديات على يد الدولة الإسلامية، إلى قصة عبدالله، النحال، الذي تولى بناء شبكة من مهربي السجائر، وسائقي الشاحنات، والملاجيء الآمنة، لتحرير الفتيات المأسورات، واخفائهم عن أعين مقاتلي الدولة الإسلامية.

يأتي كتاب ميخائيل، في سياق سلسلة من أدب الفظائع الداعشية، الصادر بالانكليزية، مؤخرا. فقبل أقل من عام، وفي أكتوبر الماضي، كان قد صدر كتاب "الفتاة الأخيرة"، لكل من نادية مراد وجين كراجيسكي، والذي يروي قصة أسر الأولى، واستعبادها لدى مقاتلي الدولة، ورحلة هروبها. وفي مايو، من العام الجاري، صدر بالإنكليزية، "وطني" لقاسم عيد، والذي يركز في قسم منه على قصة كاتبه، الفلسطيني، سوري المولد، والمقاتل في الجيش الحر، والذي يشهد اجتياح التنظيم، للرقة، والفظائع التي ارتكبت هناك.

وفيما يقدم الكتابان السابقان، رواياتهما من زوايتين مختلفتين للمأساة الأيزيدية، بصوت الضحية في كتاب "الفتاة الأخيرة"، والشاهد الصامت في كتاب "وطني"، فإن "نحال سنجار" يقدم أصواتاً متعددة لقصصه الواقعية، بين صوت المنقذ، عبدالله، الذي يظل متوارياً معظم الوقت عمدا، واصوات النساء الناجيات اللاتي يأخذن معظم مساحة الكتاب، وبين صوت الكاتبة نفسها، التي تشتبك مع تجربة الحروب السابقة للعراق، والاغتراب اللاحق عن وطنها، منذ مطلع الألفية.

يتعثر كتاب دنيا ميخائيل أحيانا في انتقاله من قصة إلى أخرى، ويثقله أحيانا أخرى، الحس الشعري للكاتبة، ودمجها لقصص الناجيات مع تجربتها الخاصة والذي تبدو مقحمة بضع مرات. وتبدو الكثير من شهادات الكتاب، تأكيدا دون قصد، لتنميطات جاهزة عن المسلم، الذي يمارس الاغتصاب بعد انتهائه من الصلاوات، أو بينها. إلا أن ما ينجح فيه الكتاب، يذهب إلى أبعد من مجرد تدوين المأساة، و توثيقها، وإتاحة الفرصة لسماع صوت الضحايا. فميخائيل تنجح في أنسنة المأساة، مفصلة عشرات من الخيوط لقصص الشجاعة والتضحية والخسة والقسوة والمعاناة والمقاومة. وترسم مسارات النجاة، صور لمجتمع حطمته الصدمة، لكن لازالت بيوته تفتح أبوابه للغرباء الفارين، ويغامر ساكنيها بحياتهم لإنقاذ الضحايا، باختلاف أديانهم وطوائفهم. وفي الوقت نفسه، نرى الناجين، ومصائرهم، لعبة في يد القوى السياسية لاحراز النقاط، أو موضوعاً للابتزاز الفردي. لا تبدو المعركة خالصة بين الخير والشر، بل صراعاً بين كل ماهو إنساني، في وضعه الأقصى، وبين الاكثر فداحة وقسوة. ففي إحدى قصص ميخائيل، تنجو الصبية أخيرا من قبضة داعش، وتصل إلى بيت أهلها، لتكتشف أن حبيبها، كان قد تزوج بأخرى في غيابها، وحينها فقط تنتحر. قصة عدم الوفاء، تبدو أكثر قسوة من الاستعباد، والأسر، أو على الأقل القشة التي ينهار بعضها كل شيء.

في تقييمها لكتاب "نحال سنجار"، في جريدة الغارديان، تسبغ، الكاتبة البريطانية عريفة أكبر، على بطل الكتاب، عبدالله، لقب "أوسكار شندلر" العراقي، وتعتبر قصته جديرة بأن تصبح فيلما سينمائيا. وتبدو الإشارة مفهومة، على اعتبار المحرقة اليهودية مرجعا، لأدب الإبادة، ونموذجا لأنسنة المأساة، وحفظها حية بتدوينها وتوثيقها فنيا. يظل كتاب ميخائيل، خطوة واحدة، على طريق طويل لفهم وحفظ ذاكرة الفظائع التي شهدتها وتشهدها مجتمعات المنطقة، على يد داعش فقط، بل وعلى يد خصومها أيضا. ذاكرة تحتاج لأنسنة تفاصليها حتى تظل حية ومؤلمة بقدر الإمكان، متجازوة التقارير الإخبارية الباردة، لتضحى أرقام الضحايا المجردة ، قصصاً لبشر من لحم ودم، تبكينا وتؤرقنا وتفزعنا، كما هو جدير بها.

عن موقع المدن

عمارة

حوارات