8eb7219d-c8a1-4bed-a223-b8a2d436feb4أسماء الشرقي – تونس

قبل أن نعالج مسألة ضالعة في التقصّي أخذت مساحة كبيرة من المطارحات الفكرية بمختلف مستوياتها، والمتعلّقة أساسا بالكتابة الأنثوية أو ما يطلق عليها في المدوّنة الثقافية الحديثة «بالأدب النسوي» أودّ أن أعرّج على مفهوم فلسفي ابستيمولوجي لافت لمفهوم اللغة العربية، من حيث عمقه الدّلالي وسعة بوابات التأويل فيه. حيث أجاب الكاتب والفيلسوف الفرنسي المعاصر جاستون باشلار عن سؤال ما اللغة بجملة موجزة شكلا ومطلقة مضمونا: «اللغة هي بمثابة الجذر التربيعي». أي هي في منظوره وتد القول والمقول وقاعدة البناء الحضاري للإنسان، ما دمنا نعتبر أن اللغة هي أساس الحضارة. ومن ثمة فاللغة العربية هي عبارة عن عوالم وأكوان اختزلتها أبجدية محدودة وحدد مفاهيمها نظام تواضعي بشري، فكان للعقل دور المنظّم، وللإحساس مجال الانفعال والتّفاعل.
والمرأة المبدعة من هذه الزاوية شاعرة كانت – قاصة أو روائيّة، هي كيان مخصوص لها لغة شفيفة وروح انفعالية وإحساس متواشج. لذا سيكون الحرف نابعا من خوالجها وتكون الكلمة ولادة متجدّدة لأحاسيسها وتجربتها الشّخصيّة. فالمرأة إذن من هذا المنطلق تكتب لتقول ببساطة إنّها هنا، لتجيد الكذب اللغوي الجميل وترسم بخطوط مجازيّة ومعاجم مختلفة المشارب لوحة إبداعية تتراوح بين نرجسية الأنثى وحزن المرأة ومعاناة الأرض المتجسّد فيها.. كلّ حسب تجربتها الخاصة.
وحتى نلامس حقيقة القول ومصداقيّة الفكرة ارتأينا أن نأخذ شهادات حيّة من مبدعات تونسيات تسامين كلّ منهن في مجالها.

{ فالشاعرة والإعلاميّة التونسيّة فتحيّة جلاد ترى بتجرّد: «أنّهُ لا بد من حسن اختيار المصطلح ورفض كل مدلول تمييزي يرتكز على التفرقة واعتماد تسمية تؤكد الدور المركزي الذي تلعبه الكتابات النسوية...فالأدب ليس له جنس فلا وجود لأدب رجالي وآخر أنثوي أو نسوي. فهذه المصطلحات تُلغى أمام إنسانيّة الانسان وكونيته، فليس كلّ ما تكتبه المرأة هو قلم أنثوي وفي المقابل ليس كلّ ما يكتبه الرّجل هو يراع ذكوري. فالمبدع ابن بيئته بعد أن اصبح العالم قرية اثر الانفجارات التكنولوجية الحديثة إذ في كل يوم تمدنا الاختراعات بجديدها فكيف نبقى رهينة مصطلح تصنيفي محدود؟
{ وفي نفس هذا السيّاق أردنا ان نوثق فكرة شاعرة أخرى تقصيّنا شهادتها وهي ابنة الجنوب التونسي الأبيّ حيث باركت الشاعرة التونسيّة لطيفة الشّابي فكرة «الأدب النسوي» وأكّدت أنّ «لا بدّ لنا أن نشهد للكتابة النّسويّة التونسيّة ولكاتبات تميّزن بعلوّ كعبهنّ الفكري وإضافاتهن أدبا وشعرا وحضورهن المتميّز بالمهرجانات الثقافية جهويّا ووطنيّا في مجتمع ذكوري يجمع بين شتّى الأصناف، على غرار ما يزخر بالمواقع الالكترونيّة وصداها المزيّف بالمجاملات الفضفاضة. فمن زاوية نظري لمضامين الكتابة على أساس جنس المبدع، فالمرأة كما هو الحال بالنّسبة للرجل لا يمكن لها أن تنفصل عن قضايا عصرها، فهي قلب وعقل بذات الوقت وبنفس درجة الاهتمام، فالكاتبة التّونسيّة وجّهت قلمها إلى صميم قضايا مجتمعها وقد صوّرت بقلمها المشاهد المؤلمة للإنسان أينما كان، فالنصّ الأدبي نسائي أو لا يكون وما علينا إلاّ أن نفخر بالكتابة النّسوية التونسيّة ونوليها اهتماما أكثر.. جهويّا ووطنيّا».
إذن نحن تجاه تجاذبات فكرية جليّة لمصطلح لغوي بامتياز عرف منذ بداية القرن التاسع عشر وتوسّع مجال البحث في خلفيات تسميته وأبعاد خلق هذا التصنيف الأدبي للإبداع البشري من إنساني كوني إلى جنسي مخصوص وقد تجلى هذا التجاذب في وجهات النظر أيضا لدى مبدعاتنا التونسيات في مجال كتابة القصة والرّواية وعمدتُ في هذا الخضم انتقاء وجهتي نظر كلّ من الاديبة والمدونة التونسية نجيبة بوغندة والكاتبة القاصة والروائية المتميزة ابنة الخضراء أيضا بسمة البوعبيدي ولكم شهادتيهما في نطاق هذا المبحث.
{ تقول نجيبة بوغندة: «بالنسبة لي لا أومن بوجود أدب نسوي وآخر رجالي أو أدب للإناث وآخر للذكور، ما يدفع كليهما للكتابة هو الجانب الإنساني الكامن فيهما.. كما أنّي لاحظت في العديد من المناسبات ميلاً واضحاً – وإن بدا ملفوفا في قيم المساواة والإعتراف لهذا الكائن بالإبداع – بالانتصار للكتابة الذكورية متغافلين أنّ نصّ المرأة كثيرا ما يكون مشحونا بعاطفة أكبر للأشياء من حولها، أقرب ما يفوق غيره ابداعا من حيث التناول والأسلوب وغيرها من أدوات الكتابة.. لست أنتصر للكتابة النسوية بقدر انتصاري لجودة الحرف عند الكاتب الإنسان رجلا كان أو امرأة. ومع ذلك نحن في حاجة إلى قلم كليهما لننوّع التجربة الإنسانيّة من زوايا مختلفة ودوافع متنوّعة».
{ أمّا بسمة البوعبيدي فقد اعتبرت ان أصل المصطلح يدخل في اذار مؤامرة لغوية مقصودة لتقزيم الكتابة الأنثوية في مجتمعنا حيث ترى أنّ «هذا التصنيف وهذه التسمية في الأغلب هي ذكورية المصدر على غير حسن نيّة، على اعتبار أنّ المرأة الكاتبة تكون على درجة أقلّ من الرّجل في التّجربة والتّخيّل والجرأة الفكريّة والنّفسيّة وأقل حريّة وإلخ.. ونتيجة حصار مجتمعي نمطي ذكوري مضروب حول المرأة في العموم وبالتّالي ولكلّ هذه الاعتبارات فالكاتبة من وجهة نظر معيّنة ليست قادرة على مزاحمة انتاج المبدع الرّجل... ولذا أنا أقف على مسافة من المواربة والشّك من التّسمية، ثمّ اني اعتبر أنّ هناك نصوصاً لا تكتبها بالضرورة المرأة وهي تقولها لكتاب كثر وقد حفظ لنا أمثلتها كتب التاريخ القديم والحديث مثل الشاعر عمر بن ابي ربيعة وقد قالت قصائده ما ارادت قوله نسوة عصره وبلسان حالها شأنه في ذلك شأن الشاعر الدمشقي نزار القباني.. الشاعر الذي أنّث القصيدة وغيره من المبدعين.. لذا أعتقد انه ليس هناك كبير فائدة في هذا التقسيم والتصنيف فكل ما هناك نصّ جيد وإبداع جيد وإنتاج جيّد وماهر دون ذلك لا تصنيف له».
{ وبما أننا نعيش في تونس الرّاهنة ثورة على مستوى القاعدة الفكرية والعقائدية دون اعتبار التشريعات التي سنّتها سابقا «مجلة الأحوال الشخصية» وذلك في محاولة جديدة لخلق فضاء أكثر رحابة، تتنفس من خلاله المرأة التونسية حقوقا لم تحض بها غيرها من النساء حتى على الصعيد الدولي ونقصد بذلك مشروع القرارات المتعلقة بالمساواة في الميراث وإجازة زواج المرأة التونسية بغير الرجل المسلم، حاولنا سبر آراء العديد من الكاتبات التونسيات حول هذا الموضوع بالتحديد في علاقته بفكرة الأدب النّسوي ومدى جدواه إذا ما تمت المصادقة على هذه القرارات إلا أننا لمسنا تحفظا غير مبرر من بعضهن في مقابل اشادة البعض الاخر بهذه النقطة على غرار الشّاعرة فوزية العكرمي التي بينت أنّه» في ظلّ تطوّر المنظومة القانونية في تونس لم يعد لمصطلح «الكتابة النسوية» من معنى لأنّه مصطلح يذكّر المرأة بتاريخ طويل من الإقصاء والتهميش وإلغاء الوجود وصار بإمكانها اليوم الاحتفال بمحطّات نضالها عبر كفاحها اليومي في شتّى المجالات من أجل مكانة اجتماعية مرموقة تتساوى فيها مع الرّجل في الحقوق».
كما ترى «أنّ الحديث اليوم في تونس عن مشاريع قوانين أخرى مثل المساواة في الميراث وزواج التونسية من غير المسلم سينمّي رصيدها ويكرّس استقلاليتها المادية والمعنوية وبالتالي يفقد مصطلح «الأدب النسوي» مبرّراته تماما لانتفاء أسبابه . كيف يمكن للمرأة أن تبدع وتُطوّر نظرتها للوجود وهي مازالت قابعة تحت سيطرة الرّجل وأسيرة نظرته وموقفه فالأدب في جوهره حرّية وتحدّ للآفاق الضيقة وتمرّد على القيود والضغوطات ومامن سبيل للإبداع الحقيقي إلا بتحطيم الرّقيب الداخلي الذي يعطّل عملية الخلق».
{ غير أن الكاتبة الروائية التونسية نبيهة عيسي في سؤالنا لنا عن هذه المعادلة الأديو- سياسية رأت أنّ «المرأة في تونس شريك فاعل في الدورة الاقتصادية للبلاد..هذه الشراكة بينها وبين الرجل في الواجبات تخوّل لها التّمتع بنفس الحقوق المكتسبة والموروثة. لكن هذه الفكرة بقيت مثار جدل عند البعض ومنع عند البعض الآخر نظرا لسلطة الموروث الذكوري على الثقافة العربية الإسلاميّة، موروث كرّسته العادات والتّقاليد وحافظ عليه خطاب فقهي متشدّد منع باب الاجتهاد. وقد كان للمثقفين في تونس دور فعّال في دفع القرار السيّاسي نحو الاعتراف بهذه الحقوق. لكّني أظنّ أنّ دورهم الأهم يكمن في زرع الوعي الكفيل بتطبيق هذه القرارات حتّى لا تبقى مجرّد خطابات جوفاء.. مهمّة الأدب أن يدخل البيوت من غير أبوابها وأن يكشف التمييز والعنف والجرائم التي تحدث يوميا وراء الأبواب المغلقة..أن يكون مكبّر الصوت لمن لا صوت لهم لأننا للأسف مجتمع يقتل مشاكله بالصّمت. اذن فالكاتبة نبيهة عيسي تقول صراحة إنّ المساواة ليست حكرا على جنس من الأجناس وإنما هي «قادح للعطاء بما فيه من عطاء وتنوّع».
هل يجوز لنا اذن بعد هذه القراءات المختلفة لمبدعات في مجالهن أن نضع جوهر التّسمية على محكّ المواربة وأن نعيد تفكيك ابعاد نون النسوة في هذه التسمية التصنيفية التقيمية للكتابة النسويّة، والحال أننا أسلفنا التسليم أنّ اللغة هي كونية الأصل تمظهرت منذ الوعي البدائي بالأشياء وتدافعت مواضعةً في ملكة الانسان لتتطور وتأخذ أشكالها المعروفة منذ عصر ظهور الكتابة. هل حقّا أنّ المساواة كفكرة أو كتشريع تفي بحاجة المرأة دون الرجل وترتق كل الثغرات الاجتماعية والنفسية المسكوت عنها في كل المجتمعات؟؟
هل نحن أمام سعيّ نزيه للارتقاء بالنص المبدع وباللغة الانسانية الى مصاف الكمال والاكتمال والتعبير الدقيق عن دواخل البشر..ام هو إرهاب لغوي مقصود سعى لتأصيله رعاة هذا الفكر المتحجرّ لتدجين الذات الكاتبة؟ ويبقى السؤال متوالدا بين مبدع وآخر وحقبة وأخرى.

عن اللواء

 

عمارة

حوارات