609تحل، يوم الأحد 28 أكتوبر، الذكرى الـ45 لرحيل عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، فيما حضوره الثقافي يزداد جلالًا، وإبداعه لا يموت. وتتجدد أسئلة هذا الأب الثقافي المصري الذي وُلد يوم 15 نوفمبر 1889، وقضى يوم 28 أكتوبر عام 1973.
وإذا كان طه حسين صاحب رؤى ثقافية عميقة في قضايا الهوية المصرية فها هي صر تنتصر في معركتها الكبرى دفاعًا عن روحها وهويتها وثقافتها، وهي في الحقيقة معركة وجود في مواجهة قوى سعت بالشر لمسخ الهوية وإعادة هندسة الثقافة المصرية بصورة تُفقدها سماتها الجوهرية من تسامح واعتدال وتعدد خلّاق وتعايش بنّاء بين مختلف مكونات المجتمع.
ولئن مضت سنوات طويلة منذ غاب جسد طه حسين فإن سؤاله التاريخي يتردد مجددًا في لحظات مفصلية في الحياة المصرية وخيارات المستقبل:"أيّ مستقبل للثقافة في مصر؟".. ومن هذا السؤال الكبير تتولد أسئلة جديدة.. ولعل من أهم هذه الأسئلة: "وماذا عن التحديات الجديدة والمتغيرات الجذرية المعولمة التي لم تكن حاضرة عندما طرح عميد الأدب العربي رؤيته الشهيرة حول مستقبل الثقافة المصرية؟".
ومع أن كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" صدر عام 1938 فإن بعض أسئلته، كما طرحها الدكتور طه حسين، تبقى متجددة في واقع متجدد، فيما يعتبر هذا الكتاب من أهم كتب الدكتور طه حسين صاحب "الأيام" و"حديث الأربعاء" و"دعاء الكروان" الذي كان مفخرة ثقافية مصرية دالة على فضيلة التفكير والبحث والنقد، وقبل ذلك التأمل العميق والحب الكبير لوطنه وشعبه، والاهتمام بمستقبل هذا الشعب وهو اهتمام يتجلى في الكثير من أعمال الآباء الثقافيين المصريين.
وأسئلة الدكتور طه حسين جزء أصيل من جهده الثقافي لبناء تصور يتناول المستقبل ويسهم في صناعته. ولعل السؤال الآن: "ماذا لو عاد عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين صاحب كتاب مستقبل الثقافة للحياة المصرية الراهنة؟".
وإذا كان البعض قد ذهب في غمار لحظة يأس إلى أن العقل المصري العام قد أصيب بالشيخوخة، وأن الشيب غزا مفرق العقل الجمعي المصري بعد أن فعلت الأيام أفاعيلها في المصريين، واحتلّت الأفكار النافقة قلب المشهد وحجبت عن البصائر سماء الإبداع، فإن ثورة الثلاثين من يونيو كشفت أن هذا العقل ما زال شابًّا عاشقًا للحرية ومنفتحًا للإبداع ورافضًا للانغلاق والتقوقع بعيدًا عن العالم وجديد أفكاره وإبداعاته الإنسانية.
وفيما تضيء كتب طه حسين ملامح المشهد الثقافي المصري حتى اليوم وتتألق عناوينه مثل "تقليد وتجديد" و"قادة الفكر" و""نقد وإصلاح" و"مرآة الضمير الحديث"، فإن للعين أن تلحظ الشباب الذين يقبلون على شراء هذه الكتب في وقت اجتازت فيه مصر تحديات أزمة عاتية طالت هوية الوطن ووجود الدولة التي تعد الأقدم في التاريخ.
والهوية كانت دومًا في صميم اهتمامات عميد الأدب العربي وصاحب "الأيام" و"جنة الشوك"، تمامًا كما أن مستقبل مصر كان في عين اهتماماته البصيرة وهو بلا جدال أحد رواد التنوير وثقافة دولة المواطنة ضمن المنظومة الثقافية الحضارية التي تبنّاها.
وكما ذكر وزير الثقافة الأسبق والأكاديمي والناقد الدكتور جابر عصفور فإن فكر طه حسين يتأسس على العقلانية والحرية والنزعة الإنسانية والنظرة المستقبلية، فيما أكد دومًا أن العلم لا يزدهر إلا في مجتمع حر، كما أن العدل لا يكتمل إلا بالجانب المعرفي.
وقال الدكتور جابر عصفور إن صائغي دستور 2014 كانوا يكتبون بروح طه حسين، لافتًا لما يتضمنه هذا الدستور من حريات وهو يعد تحقيقًا لحلم طه حسين القديم، بينما وصف الباحث الكبير الراحل السيد ياسين، عميد الأدب العربي بأنه "نهر في المنهج النقدي التقويمي"، موضحًا أن كتاباته الإسلامية "توطد انتصار حركة التنوير والتثقيف الإسلامي".
وخلافًا لبعض المنسوبين للنخب الثقافية لم يكن صاحب كتاب "مستقبل الثقافة" يخشى السباحة ضد التيار في ذروة علوّه وقوة أمواجه، كما أنه لم يكن ليأنف من مراجعة أفكاره وقناعاته في ضوء الواقع المتغير بنسبيته ودروسه محذرًا المصريين من نفر يسعون لاحتكار الدين وإضفاء عصمة على أنفسهم، وقداسة على أفكارهم.
ومع متغيرات جذرية أحدثتها ثورة المعلومات والاتصالات وما يسمى رقمنة العالم والاقتصاد المعرفي، لعل أهم ما يبقى من كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" ذلك التأكيد على ضرورة أن "تبقى الهوية حرة دون جمود تشكل ذاتها دون أن يشكلها أحد عنوة أو بالقهر".
ولا ريب أن "عميد الأدب العربي" حينما دعا للاهتمام بالبعد البحر متوسطي في التكوين الثقافي المصري وحث على تعزيز التواصل مع الشمال أو الغرب، لم ينطلق في هذا الموقف من أي عداء للعروبة وإنما بقصد الأخذ بأسباب التقدم وعوامل القوة الشاملة.
فالدكتور طه حسين الذي شغل ضمن مهامه الثقافية المتعددة منصب رئيس الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، كان لديه من الثقة بعراقة وقوة وثراء الهوية المصرية والعربية ما يَحول دون الخوف من أن يؤدي" التواصل مع الآخر لفقد هويتنا"، كما يردد البعض، في محاولة لتسويق الانغلاق والجمود الفكري.
وسيرة ومسيرة طه حسين ومواقفه وإنجازاته الثقافية تقدم "صيغة تمثل تصالحًا خلاقًا بين منظومات قيمية نألفها ونرتضيها وضرورات حيوية جديدة تفرضها متغيرات لا سبيل إلى الوقوف في وجهها".
وسواء في عام 1938 عندما صدر كتاب "مستقبل الثقافة في مصر"، أو في راهن اللحظة، تبقى الحاجة مُلحّة رغم هذا الفارق الزمني لاستعادة أفكار طه حسين حول "ضرورة التفرقة بين المقدس والنسبي.. بين الأصيل والمنتحل.. بين المعقول والمنقول حتى لا يتحول النص المقدس إلى مطية لمن لا برهان عنده ولا جدارة".
وإذ رأى عميد الأدب العربي أن إتاحة التعليم الجيد هو الطريق للنهضة، وكان جلّ كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" عن التعليم وأهمية الإصلاح التعليمي، فإن حالة التعليم في مصر تشهد مستجدات وتطورات إيجابية لعلها تُرضي الرجل الذى أراد أن يكون "التعليم كالماء والهواء"، ولعل تلك الحالة يمكن أن تسمح بالحديث عن مستقبل مشرق للثقافة المصرية.
فتطوير التعليم على النحو المأمول يقدم إجابات ناجزة لأسئلة ترددت طويلًا من قبل وأثارت الجزع العام مثل: كيف نكون طرفًا فاعلًا في المشهد العالمي المهموم بصراعات المستقبل، بينما تكشف أرقام وتقديرات كان قد أعلنها المجلس القومي للسكان أن نحو ثلث المصريين في الفئة العمرية 15 عامًا فأكثر أُميّون، فيما فشل التعليم في إعداد الطلاب لسوق العمل، ناهيك عن نزعته المزمنة نحو مصادرة العقل بصورة لا يمكن إلا أن تؤدي لتراجع الإبداع مقابل تغول الانحطاط الحضاري؟!
وفيما يدق البعض في الغرب أجراس الخطر محذرين من ظاهرة "الإقطاع الجديد في العصر الرقمي" هل ننتظر الثمر المخاتل للشبكة المراوغة والعناكب الفظة التي لن تبقي على حدائق للأبناء والأحفاد"، أم نستعيد نداء طه حسين صاحب "الوعد الحق" للمصريين بإعلاء العقل المبدع على العقل الحافظ وإخضاع كل ما هو نسبي من أفكار ووقائع في الحياة الدنيا، للعقل الناقد والحر الذي لا يمكن أن يتصادم مع الضمير والروح المؤمنة؟!
وفي عالم رقمي جديد تربطه شبكة معلوماتية جبارة لم يعد هناك موضع لانغلاق، كما أن السؤال الذي طرحه طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة" حول ما إذا كانت مصر من الشرق أو الغرب قد تتراجع أهميته بعد أن أسقطت شبكة الإنترنت حواجز المكان وطرحت تحديات جديدة وأسئلة مغايرة بشأن مستقبل الثقافة.
ولم يكن من الغريب أن يلفت عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين برؤيته الثقافية الثرية للأهمية الثقافية لفنون التلاوة والتجويد والإنشاد والموسيقى على وجه العموم كتشكيل للزمان، كما أن سيرته الفكرية جديرة بأن تسهم في الإجابة على أسئلة تؤرق الآن مثقفين في مصر والعالم العربي، مثل: "لماذا تراجع الإنتاج الفكري العربي في المرحلة الراهنة، مقارنة بمراحل سابقة، سواء على مستوى الكم أو الكيف؟".
وطه حسين صاحب السيرة الذاتية الممتعة "الأيام" التي صدرت لأول مرة عام 1929 هو أيضًا صاحب كتابين من أشهر الكتب في السيرة النبوية الشريفة "الشيخان" و"على هامش السيرة"، كما أنه من أبرز دعاة التنوير في العالم العربي قاطبة، وكان من كبار المدافعين عن حقوق المرأة، وفي مقدمتها الحق في التعليم.
وتبنَّى طه حسين، الذي درس في الأزهر ثم في الجامعة المدنية، رؤية فحواها تحرير العقل المصري عن طريق التعليم، وأطلق وهو الذي شغل منصب وزير المعارف شعاره الخالد عن التعليم الذي هو كالماء والهواء.
وهناك الكثير من الروابط بين أفكار طه حسين وتصوراته كأحد كبار الآباء الثقافيين المصريين، وبين راهن اللحظة المصرية وهموم المصريين وآمالهم وأشواقهم لغد أفضل بعد طول معاناة.. فعميد الأدب العربي لم يكن أبدًا بعيدًا عن هموم وآمال رجل الشارع ونبض مواطنيه في أوجه الحياة اليومية.
ويكتب الشاعر الكبير الراحل صالح جودت في مطلع شهر فبراير عام 1972 بمجلة الكواكب القاهرية، ليؤكد أنه تتلمذ على فكر عميد الأدب العربي، ثم يضيف: "لا أحسب أن طه حسين موفور الدخل، أو على الأقل لا أحسب أن دخله يعتبر جزاء وفاقًا لما أسدى إلى الفكر".
وبمناسبة إطلاق لقب "فنان الشعب" على ثلاثة من الفنانين الكبار حينئذ، وهم: أم كلثوم ويوسف وهبي ومحمد عبدالوهاب، تمنّى صالح جودت لقبًا آخر على غرار فنان الشعب وهو "أديب الشعب" وأن يتوج بهذا اللقب المقترح كل من طه حسين وأحمد رامي وتوفيق الحكيم؛ جزاء ما أحسنوا إلى الفكر وما بذلوا لمصر.
وأفكار طه حسين صاحب "دعاء الكروان" حاضرة في اللحظة المصرية الراهنة بدلالات التلاحم الوطني واستدعاء مواقف تاريخية توحّد فيها شعب مصر في مواجهة تحديات جسام.
ولعل ابتسامة هذا الأب الثقافي المصري العظيم تتسع بكل عذوبتها مع إنجازات عملاقة يحققها المصريون الآن في كل أوجه الحياة، فيما لروح عميد الأدب العربي ورائد التنوير الدكتور طه حسين أن تطمئن وتحلق راضية مرضية في ضوء الإقبال الكبير والملحوظ من الشباب على كتبه وأعماله الثقافية الخالدة، مثلما تشهد أرقام المبيعات في معارض الكتب، وخاصة معرض القاهرة الدولي للكتاب.
في الذكرى الخامسة والأربعين لرحيله يزداد حضوره جلالًا في الضمير العام وتزداد مكانته رسوخًا في الوجدان المصري.. فتحيّةً لروح الأب الثقافي المصري وعميد الأدب العربي طه حسين.. تحية لصاحب البصيرة والرؤية الثاقبة وصانع السيرة والمسيرة المبدعة في الأيام المصرية مهما يمر الزمن وتناءت المسافات.

عن موقع البوابة

عمارة

حوارات