drys-slymn-631x561قال وزير التعاون الدولي في السودان إدريس سليمان، في مقابلة حصرية مع "العربي الجديد"، إن حكومة السودان تواجه مقاومة من رجال أعمال لمحاولات إنهاء الاقتصاد الموازي، محذراً من أن الديون المتراكمة تعرقل مساعي الحصول على قروض جديدة.

- لماذا ساءت الأحوال الاقتصادية عقب رفع العقوبات الأميركية عن السودان بدلاً من تحسنها؟

رفع العقوبات أمر إيجابي، إلا أن الاستفادة من هذا القرار تتعلق بمعطيات عديدة منها كيفية التعامل مع الشركاء الدوليين. فالعقوبات في حد ذاتها أثرت على الاقتصاد الوطني لأنها قطعت شريان الحياة في التعامل مع الاقتصاد العالمي. وزادت من كلفة الاقتصاد وازدادت عقبة التمويل مع ذهاب التحويلات بقنوات تجارية ورسوم عالية جدا، وحتى المواطن العادي تضرر منها كثيرا، فمثلا المغتربون، وهم أكبر شبكة أمان لأهاليهم، لم يستطيعوا تحويل أموالهم عبر البنوك أو الصرافات بسبب الحظر.

- ألم تتحسب الحكومة لمثل هذه التداعيات بعد رفع الحظر الأميركي؟

الآثار المادية على الاقتصاد والمواطنين لا تقل عن 500 مليار دولار إبان فترة المقاطعة العالمية، ولكن حتى عندما رفعت كانت هناك كلفة كبيرة في ظل وجود اقتصاد مواز ضخم حيث كانت حصيلة النقد الأجنبي من الصادرات والمغتربين والذهب تدار وفقا لقنوات موازية عبر رجال أعمال ومكاتب تحويلات. وعندما أردنا نقل اقتصاد الدولة للقنوات الرسمية حدثت المقاومة من رجال أعمال وشبكات أخرى، وبالتالي ارتبك الاقتصاد. والمطلوب إرجاع البلاد للقنوات الرسمية والطبيعية في معاملاتها الداخلية والخارجية مع العالم في مجال التجارة والاستثمار.

أضف إلى ذلك هناك مسألة متعلقة بالميزانية الحالية التي تم إجراء تعديلات ضخمة بها أبرزها رفع الدعم عن القمح وجزئيا عن الكهرباء وهذه أيضا لها تأثيراتها، وعادة عندما تريد أي دولة عمل تعديل هيكلي من حقها على المجتمع الدولي إعانتها وخاصة من الصندوق والبنك الدوليين اللذين لم يظفر السودان بأي دعم منهما في الإصلاحات الهيكلية.

- هنالك من يرى أن طريقة توظيف الأموال تقف عقبة أمام مساعدة المجتمع الدولي؟

الأمر لا يتعلق بتوظيف الأموال، بالعكس فالاقتصاد السوداني شفاف وسليم في عملية توظيف الأموال ولكن الأمر يتعلق، بأسباب سياسية، فحينما رفعت واشنطن المقاطعة جزئيا كان ينبغي أن تتكامل مع إجراء أخر برفع "الفيتو" عن مؤسسات التمويل الدولية التى ترى أن هناك عوامل فنية تمنعها من التعامل مع بلادنا.

ولكن الاقتصاد متحققة فيه كل الجوانب الفنية التي تلزم التعاون مع المؤسسات وكل الإجراءات ليس عليها مأخذ وسليمة، إلا أن هناك سببا سياسيا خفيا في إيقاف الدعم عن السودان.

- ما هو هذا السبب الخفي الذي تستخدمه أميركا ضد السودان من وجهة نظركم؟

نحن لدينا اتصالات مع أميركا فيما يتعلق بقائمة الدول الراعية للإرهاب برغم عدم قناعتنا بوجود أسباب أو تبريرات لعدم رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وعندما رفعت العقوبات كان من المبررات القوية التى ذكرتها واشنطن أنه لا يوجد إرهاب، بل تعاونت الخرطوم في مكافحته برغم أنها كانت ضحية له، ولكن في عرف واشنطن لا يسمى الاعتداء على السودان إرهابا.

- ولكن أميركا لا تزال تدعم السودان كما نلاحظ؟

من الملاحظات الجدير ذكرها أنه حينما كانت دولة الجنوب جزءا من السودان كان هناك دعم أميركي كبير ولكنه غذائي وإغاثي وليس تنمويا، وقد يكون له ما يبرره آنذاك، ولكن حتى هذا تقلص بعد انفصال الجنوب وليس له ما يبرره برغم وجود الأسباب الموضوعية لزيادته منها وجود مليوني لاجئ، كما أن السودان يستضيف 3 ملايين مهاجر.

ويتحمل نيابة عن المجتمع الدولي أشياء تتعلق بملفي الهجرة واللجوء. وأي بلد يخرج من نزاعات مثل السودان على المجتمع الدولي تقديم المساعدة له. ولدينا استحقاقات في هذا الإطار إذ ننفق من مواردنا على موجات الهجرة ما لا يقل عن ملياري دولار سنويا.

- وما هو دور الشركاء الدوليين في مساعدة السودان من وجهة نظركم؟

نحرص كل الحرص على بناء شراكات واسعة مع الشركاء الدوليين (الاتحاد الأوروبي وآسيا وأميركا ومنظمات الأمم المتحدة) ونحاول بناء شراكات فاعلة. والتفاوض معهم مستمر لزيادة الدعم وتوجيهه لخدمة أهداف التنمية المستدامة لتكون شراكة فاعلة ومثمرة لدعم التنمية بدلا من الاكتفاء بالدعم الإنساني، ولذلك فتحنا حوارا نشطا مع كل الشركاء وهناك استجابة من البعض.

- ولكن الديون الخارجية تحد من نشاط ودعم المجتمع الدولي للبلاد؟

هذه من المسائل المهمة، فالتعاون الدولي ليس كله دعما وإعانة، بل يتحرك في كل القطاعات استثمارا وتجارة، وفي الوقت الذي نطمح فيه للإعانة يمكننا أن نستثمر ونعطي الآخرين أيضا.

أما الديون الخارجية فتعد واحدة من العقبات الأساسية، ووزارة التعاون الدولي تسعى إلى الحصول على قروض وزيادة الاستثمارات والتجارة، ولكن الديون تقف عقبة أمام خططنا وخاصة جلب قروض، لا سيما الميسرة منها التي تعين في بناء بنية تحتية تقوم عليها المشروعات.

السودان دولة مثقلة بالديون البالغة نحو 45 مليار دولار كما أننا دولة خارجة من نزاعات مع الجنوب ولها آثار امتدت حتى بعد انفصال الجنوب في عام 2011، إضافة إلى نزاعات أخرى.

ومن هنا نحن نستحق تخفيف العبء والإعفاء من الديون التي تعد عقبة أمام إحداث تنمية حقيقية داخل البلاد، وهذه من الموضوعات المطروحة للنقاش مع الشركاء الدوليين ووجدنا استجابات إيجابية لكنها ليست كافية.

- وماذا عن عدم استجابة صندوق النقد الدولي للتعاون مع السودان إلا بعد دفع مستحقاته؟

نحن طلبنا منه التفاوض لحل أي مديونية، مؤكدين له أن نسبة الفقر في السودان كبيرة بجانب النزاعات واستضافة لاجئين ومهاجرين ما يسبب عبئا كبيرا علينا. ونسعى للتفاوض مع هذه المؤسسة الدولية لإيجاد حل جذري فيما يتعلق بالمديونية، إلا أن المفاوضات معطلة ليس لأسباب فنية فقط بل لأسباب سياسية أيضاً.

- إلى متى يظل السودان يبحث عن قروض ومنح ومعونات خارجية؟

لدينا خطط واستراتيجيات للنهوض بالاقتصاد بعيدا عن القروض، إلا أن أي تنمية لأي دولة في العالم لا يمكن أن تتم بمعزل عن الأخرين وخاصة تلك الدول التي تكون في مثل حالتنا وتتعرض لمصاعب عديدة.

فالسودان يحتاج الآن إلى حوالي 200 مليار دولار لاستغلال إمكانياته الزراعية، كما تحتاج الثروة المعدنية إلى رؤوس أموال وتقنية حديثة. وفي الخطة التنموية أيضا من المخطط بناء ثمانية آلاف كيلومتر للسكك الحديدية، وهي تحتاج إلى 15 مليار دولار، ولذا لا بد من التعاون مع العالم والدول الأخرى لتنمية البلد.

- قامت وزارتكم في الآونة الأخيرة بمساعٍ لاستقطاب عدد من الوكالات الدولية كنوع من الحلول الجانبية، فإلى أي مدى وصلت هذه المحاولات؟

لدينا علاقات جيدة مع عدد من الوكالات الدولية وتحدثنا مع بعضها في عدد من المشروعات ومنها وكالات: "ألمانية، إيطالية، يابانية، صينية، سويدية، بريطانية، أميركية، سويسرية".

وعلاقاتنا تتمدد مع العديد من الوكالات، ولكن برغم الجهد الذي نبذله ما زالت حاجة البلاد أكبر والأعباء والظروف التي يمر بها السودان تحتاج لمزيد من استقطاب الوكالات وزيادة التعاون معها.

- هل تتوقعون إحداث تغيير من موقف الوكالات الدولية في تعاملها مع الحكومة خلال المرحلة القادمة؟

نحن نتوقع دعما إيجابيا باعتبار أن كل الوكالات ومعظم أطراف المجتمع الدولي وصلت لقناعة بأن السودان ينبغي التعاون معه لإسهاماته في مواضيع متعددة بجانب الاستقرار الذي ينعم به وسط بحر هائج من الاضطرابات في كل دول الجوار.

كما أننا ننشط في كل المنظمات الإقليمية والدولية التي تعمل على الاستقرار في الجوار السوداني كما حدث مع إثيوبيا، لذا ينبغي أن يكون التعاون مع المجتمع الدولي مثمرا ومنتجا.

- نرجو إلقاء الضوء على التعاون الاقتصادي بين السودان والدول العربية؟

التعامل العربي مع السودان جيد، ولكن هناك مجالات يمكن أن تتطور بشكل أكبر، وبعض الأشقاء لديهم إمكانيات مالية وفنية جيدة لو استثمرت في السودان ستكون مفيدة للجميع. ومشاريع التنمية مثل السدود ساهمت فيها صناديق. وإذا حدث التعاون المأمول سنتمكن من تأمين الغذاء لجميع الدول العربية.

تركيا اتجهت أخيراً إلى السودان للاستثمار فيه، فما الجديد في هذا الملف؟

بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة للسودان ولقائه الرئيس عمر البشير، تم توقيع عدد من الاتفاقات الاقتصادية بين البلدين، ورغم ذلك نسعى لمزيد من التعاون في المجالات الاستثمارية المختلفة.

وبدأت زيارات متتابعة من قبل المسؤولين في كلا البلدين لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، ومع ذلك ما زلنا في بداية الطريق، فالتعاون السوداني التركي محدود حتى الآن والتجارة بيننا تبلغ 500 مليون دولار سنوياً والاستثمارات المشتركة تبلغ نحو 600 مليون دولار، وتمكن مضاعفة ذلك إلى عشرة أضعاف خلال عامين وهذا ما نرجوه.

والتوجه نحو تركيا ليس خصما على أي تعامل أو تعاون مع دولة أخرى، فنحن لا نؤمن بسياسة الأحلاف، بل التعاون المثمر مع الدول المختلفة والأشقاء من أجل الوصول إلى تبادل مصالح وتحقيق المنافع المشترك

ثقافة وفنون

مجتمع وبانوراما