2014-635553186878962224-896بقلم - عبد الواحد لؤلؤة: تدور الأحاديث الأدبية أحياناً عن شاعر العراق الكبير، بدر شاكر السيّاب (1926 ـ 1964) وعن مدى تأثره بالشعر الأجنبي، والإنكليزي منه بخاصة. وبعض السبب في هذا التساؤل أن الشاعر قضى أول سنتين في دار المعلمين العالية ببغداد في قسم اللغة العربية، ثم انتقل إلى قسم اللغة الإنكليزية (اللغات الأجنبية) ليقضي سنتين يتخرج بعدهما عام 1948. وبعد تخرجه عمل لفترة في قسم الترجمة في مديرية الموانئ العراقية في بلده، البصرة، ظناً منه، ربما، أنه سوف يصقل لغته الإنكليزية. لكن الحديث عن أثر هذين الأمرين فيه شيء من عدم الدقة، إن لم نقل المبالغة. وأنا أتحّدث هنا حديث شاهدٍ من أهلها. فقد التحقتُ بقسم اللغات الأجنبية عام 1948، أي بعد تخرّج بدر مباشرة، ولم يكن في ذلك القسم ما يقدم من الأدب الإنكليزي، بل الشعر، ما يساعد على دعم المواهب الشعرية عند الطلبة على امتداد السنين الأربع، إلا في حدود ضئيلة. كان هدف الكلية، وهيئة التدريس البريطانية في القسم، إعداد مدرسين، وذلك بالتركيز على قواعد اللغة والكتابة، ودعم ذلك بما تيسّر من الروايات والمسرحيات والمختارات الشعرية. كانت الكتب تُعار إلينا من «المخزن» لنعيدها آخر العام. وكانت تلك الكتب تحمل كثيراً من أسماء الطلبة من سنوات سابقة. كانت الروايات من أعمال القرن التاسع عشر، وقليلاً من أعمال القرن العشرين، مما لا يتطلب معرفة واسعة بتاريخ إنكلترا وثقافتها. وكانت المسرحيات من شكسبير عادة، مثل «ما كبث» أو «روميو وجولييت». أما الشعر، فكان مختارات من كتاب «الكنز الذهبي» بطبعة مختصرة، لا تكاد تلامس شعراء بدايات القرن العشرين. ولا أحسب بدراً قد أفاد كثيراً من آخر سنتين في القسم، بهذا النوع من المقررات. لم نسمع عن إليوت ولا عن النقد الأدبي، ولا عن شعراء من غير الإنكليز. فما الذي أفاده بدر من هاتين السنتين يا تُرى، غير التشوّف للاطّلاع على المزيد؟
أما قسم الترجمة في مديرية الميناء في البصرة فهذه لم تكن لتشبع رغبة بدر في تحسين لغته الإنكليزية. وهنا أيضاً أنا أتحدث حديث شاهدٍ من أهلها. فقد عملتُ أنا في قسم الترجمة ذاك في صيف 1950 بعدما كان بدر قد غادر، ولم أسمع عنه شيئاً في ذلك القسم ولا في مديرية الميناء. هل كان بدر سعيداً بذاك العمل؟ أفاد شيئاً؟ كل الإنكليزية المستعملة في ذلك القسم تتعلق بمناقصات مشاريع أو أخبار السفن.
كان الشاعر بدر يُغامر في شرف مَرومِ، لذا فهو لم يقنع بما دون النجوم، على رأي المتنبي. وهنا أراني راغباً في تكرار ما قلتُه في مؤتمر شعري قبل حوالي أربعين عاماً: بدر شاعر خِبرتُه في الحياة أقل من ثقافته. وموهبتُه أكبر من الإثنين معاً. ولأن الموهبة قرينة الذكاء، فهما يعملان معاً للاستزادة من الثقافة، وينفرد الذكاء بالانتباه إلى ما يجري في الحياة وفي تصرفات البشر من حوله، فتكبر التجربة. وهذا كان حال بدر. فبعد تخرجه عام 1948 كان من حسن الصدف وصول الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا إلى بغداد حاملاً هموم فلسطين وثقافة واسعة في الأدب الإنكليزي وفنون الرسم والنحت والموسيقى. فتجمّع حوله الحواريون من شعراء بغداد وادبائها ومنهم الشاعر الطالع بدر. لم يكتفِ بدر بمجالسة جبرا في مقهى البرازيلية في شارع الرشيد، بل كان يلاحقه إلى داره في ضاحية الأعظمية ببغداد. وهناك يجلس الشاعر أمام الأديب الكبير، سائلاً، مستفسراً عن شعراء وأدباء قد سمع ببعضهم لكنه لم يتيسر له قراءة أعمالهم أو فهمها بلغة إنكليزية لا تروي غليل المتطلع المتشوّف دوماً. هنا تعلّم بدر الكثير عن شكسبير، وأساطير الإغريق والمشرق. وكان إليوت حديث صفوة أدباء تلك الأيام، وكان جبرا المَعين الثرّ من المعرفة عن ذلك الشاعر وأسلوبه الصوري، بالدرجة الأولى، مما ترك آثاراً واضحة في شعر بدر، بكثرة الصور في شعره مما يوحي بالفكرة دون التعبير عنها بالأسلوب التقريري. كانت قصيدة إليوت المبكرة بعنوان «مقدمات» بأجزائها الأربعة أول ما استهوى بدر لكثرة الصور المتلاحقة فيها، مما «يصوّر» فكرة دون «الحديث عنها» بالاسم. نجد ذلك في قصائد أوائل الخمسينات: «حفّار القبور» 1952، و»المومس العمياء» 1954 و»الأسلحة والأطفال» 1954. ويبدو من تحليل هذه القصائد أن بدراً بدأ يهتم بالأساطير لكثرة استعمالها في شعر إليوت وما تيسر له من شعر إيدث سِتْوِل. وهنا يفيد استاذنا جبرا بالحديث عن الأساطير الإغريقية وعن أساطير الشرق القديم، مما عرضه في كتاب صغير ترجم فيه فصلين من كتاب جيمس فريزر «الغصن الذهبي». كان فصلان من هذه الترجمة العربية الأولى قد نشرا في مجلة «الفصول الأربعة» عام 1954 اطلع عليهما بدر فألهبت خياله وراح يستقصي المزيد عن أساطير الشرق القديم واستعملها، بإفراط، في شعره من تلك المرحلة فصاعداً. وربما كان ذلك بعض ما قاده إلى دراسة الانجيل طلباً لمزيد من الإشارات إلى العوالم القديمة بشخصياتها وثقافاتها. وفي هذه الفترة كذلك، وقف بدر حائراً معجباً أمام شعر الشاعرة الإنكليزية إيدث سِتْوِل، الأرستقراطية العجيبة الثقافة التي أثارت كثيراً من الجدل حولها، وهي مُجايلة إليوت، إذ ولدت قبله بسنة وتوفيت قبله بسنة، عام 1964، وهو تاريخ وفاة بدر كذلك. استهوى بدرا ما وجد عند سِتْوِل من نحت الاستعارات والصور المجازية الغريبة، مثل «صرير النور» و»زعيق المطر» والتوكيد على موسيقى اللفظة والتجريب في صناعة الشعر وشكل القصيدة، مما برع إليوت فيه أكثر من سِتْوِل. لكن بدراً أخذ الفكرة، والجرأة في المحاولة، وأخضع ذلك لموهبته وثقافته الخاصة، فجاء التنويع في أطوال الأبيات في القصيدة الواحدة مع احترام التفعيلة التراثية دون الالتزام بنظام الشطرين التراثي، مع أنه أبدع في ذلك أيضاً. مثل إليوت، أدخل بدر الأغنية الشعبية في بعض شعره، بعد تحويرها لتناسب إيقاع التفعيلة العربية أو الوزن العروضي. وجد بدر أن إليوت يضمّن الأغنية الشعبية في سياق مناسب، كما في «الأرض اليباب»: «جسر لندن يتهاوى، يتهاوى». فنجد أغنية أطفال البصرة ابتهاجا بهطول المطر: «مطر، مطر، حلبي/عبّر بنات الجلبي» بالجيم المعجمة، يجعلها بدر: «يا مطراً يا حلبي/عبّر بنات الجلبي. يا مطراً يا شاشا/ عبّر بنات الباشا» لأن المطر قد أغرق الطرقات وتحتاج البنات من يساعدهن في العبور. ويختم بدر الأغنية الطفولية بعبارة شكر من عنده «يا مطراً من ذهبِ» لتجري مع القافية. ونجد الأغنية العراقية الجنوبية «نامت عيون الناس/قلبي شينَيمَه» بلفظ القاف كافاً معجمة، يُصيرّها بدر «نامت عيون الناس، ليلى، من لقلبي أن يُنيمَه» لكن نحت الصفات والأصوات عند سِتْوِل لم يَسغها بدر فنحت ما هو أجمل: «كهسهسة الخبز في يوم عيد/ كغَمغَمة الأم باسم الوليد/ تناغيه في يومه الأول». ومثل: «لأثوابهم رفّه الشمأل/ سرى عبر حقل من السنبل». فهؤلاء الأطفال إزاء الأسلحة، هم «محارٌ يصلصل في ساقيه».
مثل شكسبير، الذي كان في بداياته محدود الثقافة والمعرفة بعالم الكتب، استطاع أن يتعلم من كتاب «بلوتارك» بترجمة نورث أكثر مما تعلّم آخرون من «مكتبة المتحف البريطاني» برمّتها، على رأي إليوت. فتعلّم بدر من قصيدة سِتْوِل «أنشودة الوردة» بتكرار «ما زال يهطل المطر» مطر القنابل الألمانية على لندن عام 1940 فجعل منها بدر لحناً رئيساً في «أنشودة المطر» لحناً جميلاً في حزنه: ويهطل المطر!

عن القدس العربي

فنون وتشكيل

محطات إبداعية