2cd442cc80222bad1de850651c23dd65d8d9e470لفت نظري شيءٌ يُخالف ما بالذهن من معلومات، وهو أن أول من كتب رواية عربية لم يكن محمد حسين هيكل، وإن أول رواية عربية لم تكن (زينب).
بل إن هنالك ثلاث سيدات عربيات كتبن الرواية قبل محمد حسين هيكل وهن: زينب فواز في رواية (حُسن العواقب) وذلك في عام 1899م، تلتها رواية (قلبُ رجل) لـ لبيبة هاشم، وقد كتبتها في عام 1904م، وفي عام 1906م كتبت عفيفة كرم رواية (بديعة وفؤاد).
ولعلّ رواية سليم البستاني (الهيام في جنان الشام) والتي صدرت في 1870م، قد تكون فعلياً، أول رواية عربية.
إذاً الحقيقة تقول إن رواية زينب لـمحمد حسين هيكل لم تكن الرواية العربية الأولى، وهذا يعني أن التاريخ الفعلي لكتابة الرواية العربية هو 1870، وهذا يعني أن عمر الرواية العربية 118 سنة فقط.
وهذا يعتبر عمرا قصيرا جداً مقارنة بعمر الشعر والخطاب الشعري لدى العرب، فقد قيل إن أول من قال قصيدةً هو العنبر بن عمرو بن تميم، والبعض يُرجّح أن أول من قالها هو قحطان بن يعرب، والبعض يُشير إلى أن سيدنا آدم هو أولُ من قال الشعر، والعلم عند الله.
وبما أنّه لم يرد شيءٌ حقيقيٌّ على لسان سيدنا آدم، وكذلك لم يحفظ شيء مما قاله قحطان بن يعرب، فمن المُرجح أن يكون أول من قَرضَ الشعرَ هو فعلاً العنبر بن عمرو بن تميم، وهنا يمكننا القولُ بأن عمر الشعر لدى العرب لا يقل عن 1500 عام.
والسؤال المهم: هل هناك رواياتٌ أو حكاياتٌ تمّ تداولها ولم تؤَرخ أو تُدوّن أو تنتشر كما هو حال الشعر؟.
لأنّ العرب يميلون كل الميل للشعر، ولا يستسيغون الفنون الأخرى من الأدب، وهذا الأمر نراه جلياً في البادية.
إلا أن الشاعر محمد بن أحمد السديري والذي عاش طول عمره في البادية، قد كتب روايته الأولى والأخيرة وهي (الدمعة الحمراء)، وقد مُثلت في عام 1980م، وهذا يعطيني مدلولاً إن أهل الشعر من أهل البادية لديهم الفكرة الأولى عن الرواية، كما أن لديهم القدرة على كتابة النص الروائي بغض النظر عن لغته التي كتب بها، وهنا أتذكرُ رأي الكثير من الإخوة الزملاء: إن الشاعر العربي لديه القدرة الفائقة على أن يكتب عملاً روائياً، فهو مؤهل لنسج العبارات الجميلة، وهذا لا يعني ألا يكتب الرواية سوى الشاعر، بل إن هناك الكثير ممن كتبوا الرواية وهم في الأصل بعيدون كل البعد عن الشعر.
ولكن نجد احلام مستغانمي تلك الشاعرة الجزائرية قد أتقنت كتابة الرواية في (ذاكرة الجسد وفوضى الحواس وكذلك عابر سرير والأسود يليق بك)، ولا يهمنا سرد حكاية النفس الرجولي والذي كان ملفتاً للنظر في روايتها الاولى (ذاكرة الجسد)، فقد قال الشاعر السوري الكبير عن ذاكرة الجسد: (روايتها دوختني، وأنا نادرا ما أدوخ أمام رواية من الروايات، وسبب الدوخة أن النص الذي قرأته يشبهني، إلى درجة التطابق فهو مجنون ومتوتر واقتحامي ومتوحش وإنساني وشهواني، وخارج على القانون مثلي، ولو ان أحدا طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر، لما ترددت لحظة واحدة، فهل كانت أحلام مستغانمي في روايتها - تكتبني - دون أن تدري، لقد كانت مثلي تهجم على الورقة البيضاء بجمالية لا حد لها وشراسة لا حد لها، وجنون لا حد له، الرواية قصيدة مكتوبة على كل البحور بحر الحب وبحر الجنس وبحر الايديولوجيا وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها، ومرتزقيها وأبطالها وقاتليها وسارقيها، هذه الرواية لا تختصر ذاكرة الجسد فحسب، ولكنها تختصر تاريخ الوجع الجزائري والحزن الجزائري والجاهلية الجزائرية، التي آن لها أن تنتهي).
يقول نزار قباني: وعندما قلتُ لصديق العمر سهيل إدريس رأيي في رواية أحلام، قال لي: لا ترفع صوتك عالياً، لأن أحلام إذا سمعت كلامك الجميل عنها فسوف تجنّ، أجبته: دعها تُجن، لأن الأعمال الإبداعية الكبرى لا يكتبها إلا مجانين.
إذاً فالروايات هي في الأصل حكايات ينسبها الراوي لنفسه ويجعل الآخرين يتداولونها على أنها إحدى تجاربه التي مرّ بها ونقلها لمجتمعه الصغير الذي يعيش فيه، وقد تكون على شكل حكاية مُضحكة أو مُغامرة مُخيفة، وما بينهما تتشكل وتتعدد الأقاصيص.
اهتم العرب بالشعر والسجع وبالحكمة والموعظة والأمثال، وتركوا الروايةَ والقصةَ وما شابهها على رف الزمن، فطُمست هوية الرواية العربية منذ القدم، والمتتبع فعليا للتاريخ يجد أن هناك ما يسمى بالأسطورة وما يسمى بالإسرائيليات، وهذه دلالة كبيرة على أن الرواية كانت تُتداول بشكلٍ طفيف، والشيء بالشيء يذكر، فقد وردَ أن قصة مجنون ليلى قد تكون مجرد حكاية ليست حقيقية تم سردها على الخليفة في زمن بطلها.
وهذا الأمر قد يُذكرنا بترجمة عبدالله بن المقفع لكتاب كليلة ودمنة، فقد ترجمه في العصر العباسي أي في القرن الثامن الميلادي، وهذا يدلنا مرةً أخرى أن الروايةَ كانت موجودةً ومُتداولةً ولكنها من الأدب غير المرحب به عند العرب.
بعكس الغرب تماماً، فقد كتب الأديب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس روايته اليتيمة والوحيدة (دون كيخوتي) ونشرها قبل أربعة قرون.

عن الشرق القطرية

فنون وتشكيل

محطات إبداعية