boubaker-ayadi-640x405النقد الأكاديمي فهو في عمومه، إما منشغل بذاته، يبحث في مدونة القدماء عن نظريات نقدية قد تصلح لمقاربة الأدب الحديث؛ أو أنه آثر اقتفاء خطى السابقين ليمعن في تكريس من لم يعد في حاجة إلى تكريس.

بعد الفضائح التي شابت تتويج أعمال روائية رديئة بجوائز عربية كبرى، وهرولة أسماء نقدية معروفة لنصرتها، حق لنا أن نتساءل عن أسباب استشراء تلك الظاهرة في أوساط المشتغلين بالنقد، الصحافي والأكاديمي على حدّ سواء، بشكل اختلت فيه الموازين، وانخرمت القيم، وساهم في إعلاء الرداءة، فطغى الغث على السمين، وتساوى في عيون القراء المبتدئ بالمتمرّس.

فأما النقد الصحافي، فهو سريع عارض، فيه من المحاباة قدر كبير، وفيه من النزوع إلى تصفية حسابات سابقة أو لاحقة ما يجعل الدارس حذرا مما يقف عليه من أحكام، إذ عادة ما يتجاوز التعريف بالأثر وإحلاله موقعه من المنجز الأدبي، إلى التشهير بصاحبه ووصمه بما ليس فيه، أو مدحه بما لا يستحق، لاعتبارات مزاجية ونفعية، وغالبا ما يكون الموقف من الأثر المنقود متسما بالاِنطباعية والاِرتجال.

والسبب ليس افتقار أغلب من ينهضون بهذا الصنف من النقد إلى الأدوات النقدية الصارمة والثقافة المتينة والاطلاع الواسع على الحركات الأدبية وتطوراتها فحسب، وإنما أيضا تعامل تلك الفئة المحسوبة على النقد مع المنشورات وأصحابها تعاملا يخضع للشللية، أي أن يعلي “الناقد” من شأن المقربين منه، أيديولوجيا أو فكريا أو اجتماعيا، ولو كان نتاجهم لا يرقى إلى الدرجة الصفر من الكتابة؛ أو لقانون العرض والطلب، أي أن يثيب النقاد من يجزل لهم العطاء، أيا ما تكن صيغته، بمقالات مدحية تنزّل المعطي منزلة الفحول. بل إن ثمة من هو متخصص في بعض الأسماء، من تلك التي تدفع بسخاء، ولا يكتب في الغالب إلا عنها.

وأما النقد الأكاديمي، الذي يفترض فيه أن يتوسّل بمناهج نقدية من ابتكاره لتفكيك الأثر الأدبي والوقوف على جوانب القوة والضعف فيه، فهو في عمومه، إما منشغل بذاته، يبحث في مدونة القدماء عن نظريات نقدية قد تصلح لمقاربة الأدب الحديث؛ أو أنه آثر اقتفاء خطى السابقين ليمعن في تكريس من لم يعد في حاجة إلى تكريس، ويعيد إنتاج ما كتب عمن صاروا من الأعلام؛ أو هو مفتون بالمناهج الغربية يَلوث مصطلحاتها بغير بيان، ويجهد في فرضها على نصوص من بيئة غير البيئة التي وضعت لها.

والمعروف أن تلك النظريات لها شبكات قراءة مقولبة، يتم تطبيقها على كل النصوص بنفس القدر، فيستوي في نظرها الغث والسمين، تحلل تشكله وآلياته وعلاقة عناصره بعضها ببعض، فلا نفهم عندما ننتهي من قراءة نقدية، إذا تجاوزنا عسر المصطلحات وعدم دقتها، ما إذا كان العمل المنقود جيدا أم رديئا.

العرب اللندنية

فنون وتشكيل

محطات إبداعية