14079462 10154511521379851 5079391482154094586 nعماد البليك

سأتحدث عن تجربتي الشخصية مع أدب نجيب محفوظ، فقد قرأته مبكرا، وأول رواية قرأتها لا زالت ظلالها ضبابية في ذهني هي رادوبيس خاتمة الثلاثية التاريخية، عبث الأقدار وكفاح طيبة. كان مشروع محفوظ تاريخيا هذا ملمحه الأول، لكنه اغترف من التاريخ المعاصر بديلا عن الذهاب إلى الماضي السحيق. ونجح في أن يشكل صورة مصر الحديثة، ربما كان ذلك واضحا لي في العمل الثاني الذي قرأته وأحببته جدا وقتها وهو "خان الخليلي".. وللصدق فإني لم أحب الثلاثية أو أولاد حارتنا كما أحببت واقعية محفوظ في "خان الخليلي" و"زقاق المدق"، كذا كنت أحب سيريالته وفوضاه كما في "ثرثرة فوق النيل" و"ميرامار" – إن جاز لي – وهي واقعية الفوضى والانكسار. ومن ثم رواية مثل "رحلة بن فطومة" هي تنتمي للأدب الصوفي الملهم، ليست رواية بقدر ما هي تأمل فلسفي في مآلات الذات والبحث عن الله، وإذا كان للرواية أن ترمز العالم فإن هذا العمل أعمق عندي من "أولاد حارتنا".

هل كان نجيب محفوظ مجرد كاتب واقعي؟ أو فيلسوف في شكل أديب، أو ناقل للتاريخ، بتقديري أنه كان مجرب والتجريب هو الصفة التي يمكن أن تؤطر مشروعه. لقد جرب في عشرات الروايات، يبحث عن ملمح الرواية، الأمر الذي جعله يستحق جائزة كنوبل. وكان أكثر العرب دأبا على الكتابة والاستمرار فيها رغم ما مر به من ظروف أحيانا حيث توقف في الخمسينات لبضع سنوات، فسرت على أنها تأمل ما بعد الثورة المصرية، أو ربما أحباط وجودي، تبعته روايات عميقة في ذلك المنحى، لكنه استطاع أن يمضي ويخلع عرش الضيق النفسي. إن محفوظ استطاع أن يقدم الصيغة الجديدة للمثقف العربي. الأديب الذي يكتب لأجل الأديب مشروع وليس لمجرد بروباغندا أو ربح مؤقت، وحافظ على وظيفته والكتابة معا والقراءة دون أن تهزه عواصف الأزمنة ومرارتها.

إن الدرس الذي يقدمه مشروع نجيب محفوظ هو الإصرار والأمل، هو الإيمان بالمشروع في حد ذاته، والهدف الواضح، وحيث تصبح الحياة كلها هدفا لذاتها لإنجاز هذا المشروع العظيم. لأن التحيز في التاريخ ليس عملا عشوائيا وليس انتماءا سياسيا عابرا أو تسجيلا للحضور. هو أبعد من ذلك غورا. تجربة محفوظ تقدم مسارا يتطلب إعادة قراءة لكي نفهم صورة الرواية والروائي. كيف بنى هذا الصرح في البلدان العربية، وجعل الرواية العربية تأخذ مسارها وحيزها الأنطولوجي واعتبارها المعرفي والفلسفي والحقيقي. والحقيقة هنا ليست مجردة هي القدرة الصحيحة على استنطاق ما وراء أسرار الواقع والتاريخ. لم يكن محفوظ خائفا من اللحظة، لهذا قهرها بأن يكون موجودا.. بأن يسجلها في كل الأعمال. ولم تصبح مجرد سجلات عن الزمن والأمكنة. بل هي مساءلة لقرن كامل، ولبلد وعالم. في ظل أن الإنسان هو تقاطع لكل ما حوله من أحداث وظنون ومآلات

فنون وتشكيل

محطات إبداعية