35305542 10210022266387897 7914820708650188800 oيحار السيكولوجيون والبيداغوجيون والسوسيولوجيون في أمر تحليل الشخصية المغربية المتحولة والمتعددة. ومن المظاهر الغريبة التي تثير حقا المهتمين؛ ظاهرة العنف المستشري في شتى سلوكاتنا الظاهرة والخفية؛ لغويا وعمليا، بوعي أحيانا، وبغير وعي في أغلب الأحيان!
ويكفي أن تلقي نظرة على المقاعد التي تجلس عليها في المؤسسات العمومية، وفي حافلات النقل، وفي المدارس لتكتشف عمق الظاهرة وأثرها البليغ علينا. يبدأ الطفل منذ صغره في تخريب ما حوله، وكأنه يرضع حليب العنف والتوتر من ثدي أمه: يكسر الزجاج، يكتب في الطاولات، ويفسد الصباغات، يتلف الأشجار والورود والمساحات الخضراء، يكسر أقلامه وأدواته باستمرار، ويستغل أية فرصة لممارسة الشغب في الشارع! في الحافلات يستحيل أن تجد مقعدا على هيأته. وفي الحدائق يعسر أن تجد مكانا طاهرا تجدد فيه طاقتك!
لكن العنف الأخطر يتجسد على مستوى اللغة التي نتكلمها ونتواصل بها، فتجدنا نجتهد لنجد الحقل المعجمي الأكثر اختزانا لمفردات القسوة والصلف، مجترحين بلاغة قل نظيرها في القواميس واللغات العالمية. وهذا لا يقتصر على مستويات التواصل المباشر في الشارع العام، بل يتسرب ذلك حتى في خطابات الأسر والفضاءات ذات البعد التربوي، دون أن ننسى الطامة الكبرى التي تتجلى في مواقع التواصل الاجتماعي، ويكفي أن تعمل جولة قصيرة في بعض التعليقات على أخبار ومواد إعلامية، أو حتى صور خاصة، لتعود وأنت نادم، ويا ليتك لم تتملى ذاك الكلام الفاجر البذيء المتبادل، الذي لا يحترم أي ذرة من ذرر الاحترام وآداب اللياقة! فلا مجال للحوار إطلاقا، عدا لغة السب والشتم والقذف، والتجريح، والتهجم بكلام فاحش لا يرقى لأدنى مستويات الآدمية، وللأسف الشديد، بين أناس لا يعرفون بعضهم ولم يسبق أن تلاقوا أبدا! بل هم مجرد كائنات افتراضية، وكأن الشخص يجد متعة بليغة في إطلاق مثل ذلك الكلام الذي لا معنى له، ولا يرقى لمستوى الحوار والجدل البناءين!!!
إن العنف الرمزي أشد وقعا من العنف المادي لكونه يترك ندوبا عميقة تكلف الفرد كثيرا. لذلك، فمسؤولية مراجعة الأسباب المؤدية لهذا الوضع، ملقاة على الأفراد والمؤسسات على حد سواء. يبدأ الإصلاح من الأسرة أولا وقبلها الفرد نفسه، ثم يسري على المؤسسات ذات البعد التربوي وغيرها، من أجل تكريس حياة المرونة تجاه الوقائع والأحداث، وتكوين شخصية قوية لا تهتز أمام العواصف والمفاجآت، وتتعامل بحكمة وأناة مع ما يستجد في اليومي! ولعل ما وصل إليه مجتمعنا من كثرة نسبة الانتحار في صفوف الشباب والكهول معا، لهو مؤشر خطير على درجة العنف التي تتزايد للأسف! ومن يكون مستعدا لتصفية ذاته؛ فهو قنبلة موقوتة قد يسهل عليه تصفية العالم أجمع، بسبب أو بدونه!

- روائي وناقد

فنون وتشكيل

محطات إبداعية