نيبول (إلى اليسار) يتسلّم جائزة نوبل من العاهل السويدي في استوكهولم عام 2001 (أ ف ب)
28779
كتب عبده وازن : كان إدوارد سعيد واحداً من المفكرين الغربيين الذين أجمعوا على وصف الكاتب الترينيدادي، البريطاني الجنسية، ف .ا .س .نيبول الذي رحل مساء السبت الماضي في لندن، بـ»الكارثة الأخيرة في الفكر الغربي الوسطي». لكنّ مفكرين آخرين كانوا يعدّونه «سولجنتسين العالم الثالث». وعندما منحته الأكاديمية السويدية جائزة نوبل عام 2001، دار حول فوزه سجال واتّهم بعضهم الأكاديمية بالانحياز السياسي المفضوح. فهي لم تمنح جائزتها إلى هذا الكاتب الإشكالي الكاره للحضارة العربية والإسلامية علناً، إلا في أوج المعركة التي كانت تخوضها الولايات المتحدة ودول غربية ضد «الإرهاب» الذي وصفته بالإسلامي والعربي.

حينذاك أصبح نيبول صاحب المواقف العدائية الصلبة، واحداً من أدباء نوبل، أي من الأدباء الذين يفترض بهم أن يؤمنوا بحقوق الشعوب وحرياتها وأن يحترموا ثقافاتها وحضاراتها. حتى بيان الجائزة لم يكن مقنعاً في مديحه نيبول، خصوصاً بعدما تراجع أدبه الذي وصفته مجلة «إكسبرس» الفرنسية بـ «الصحافي». هل يمكن عدم مناقشة نيبول في كتابه «ما بعد الإيمان: رحلات إسلامية بين الشعوب المعتنقة»؟ ألا يمكن استخلاص موقف عدائي مسبق أو جاهز من العالم الإسلامي من خلال التحقيقات أو المقالات التي كتبها طوال أعوام؟ ولعل تلك التحقيقات الروائية الكثيرة التي كتبها نيبول عن جزر الكاريبي أو عن الهند أو أفريقيا والأرجنتين وجنوب الولايات المتحدة، فضحت نظرته إلى تاريخ الاستعمار في تلك البقاع من العالم، وسعيه إلى تحطيم أسطورة «المضطهدين الأزليين» ونقده الظالم للانطلاقة أو المسيرة «الخاطئة» للعالم الثالث.

وبعيد رحيله عن خمسة وثمانين سنة، وضع خلالها نحو ثلاثين كتاباً، لا بد من العودة إلى رواياته، وإلى عالمه الروائي وشخصياته. ولا بد من الاعتراف بأن أعمال هذا الكاتب التي لم تترجم إلى العربية إلا بعد فوزه بنوبل، لا تقرأ بسهولة، خصوصاً أعماله ذات الطابع الروائي - الوثائقي أو الأدبي - الأنثروبولوجي. أما أدب الرحلة لديه، فلا ينتمي إلى هذا الضرب من الأدب الشائع. وكتب الروائي سلمان رشدي عنه جملة وداعية على «تويتر» لم تخلُ من موقف مضمر: «كنا على خلاف طوال حياتنا في شأن السياسة والأدب، لكنني أشعر بالحزن وكأنني فقدت الأخ الأكبر المحبوب».

جاء نيبول إلى الفن الروائي من عالم الصحافة (الغارديان، بي بي سي) وأفاد كثيراً من الكتابة الصحافية وتقنياتها ليشرع في كتابة أدب الرحلات أو «أدب السفر». وجسد صورة الكاتب الرحالة الذي يهوى السفر ويمتدحه. وفي حقل هذا الأدب، استطاع أن يكون واحداً من الروائيين المجلّين على رغم مواقفه السلبية، وأسس عالماً روائياً يجمع بين «الواقعية الوثائقية» والرؤية الساخرة أو الهجائية. صحيح أن نيبول كتب في أكثر من حقل، لكنه كان دوماً ذلك الروائي أولاً وأخيراً. فالرواية هي الصنيع الذي استطاع أن يرقى به ككاتب وأن يكسبه جمهوراً من القراء يتابعونه في العالم. قصصه ونصوصه الأخرى لا تمثل حقيقة التجربة التي خاضها. وتميزت رواياته بنقدها الحاد لبعض الأنظمة في بلدان العالم الثالث، وفي نقلها مشاهد البؤس والفقر. غير أن نيبول لم يسعَ يوماً إلى أن يكون كاتباً ملتزماً في المعنى السياسي للالتزام. فهمه هو جعل حياة الشعوب أشبه بالمغامرة الروائية التي على القارئ أن يعيشها مثلما عاشها هو نفسه ككاتب.

كان نيبول الترينيدادي الأصل والبريطاني الجنسية يرفض أن يسمى «روائي المنفى». فهو كما عبّر مراراً شخص «يحيا بلا حنين». وأشار دوماً الى أنه لا يملك أي رغبة في أن ينتمي إلى أي مجتمع أو بيئة. فهو ابن الشرق الآسيوي والغرب في آن، ابن البيئة القديمة المشبعة بالأديان والأسرار، والبيئة الجديدة المنفتحة على الأفكار الحديثة والتيارات المعاصرة. ولعل انتماءه المتناقض هذا كان وراء مغامرته السافرة في كشف تلك المناطق المجهولة أو المنسية، سواء في ذاكرته ومخيلته الفرديتين أم في الذاكرة والمخيلة الشعبيتين.

أما المكتبة العربية، فتضم ثلاثاً من رواياته تُرجمت بعد فوزه بنوبل هي «منعطف النهر»، و «بذور سحرية»، و«في بلاد حرة».

عن الحياة

فنون وتشكيل

محطات إبداعية