1014457586.jpg"بورة" الكلمة الوحيدة التي تسعد وتبهج وتفرح ملايين اليمنيين ، لا كلمة الولاية ولا الخلافة، بل إن الأخيرتان تبعثر الأحزان حولهم وتعكر صفوة مزاجهم، يستهلك اليمنيون كلمة "بورة " في إشارة منهم إلى انخفاض أسعار "القات "، قوت الصالحين والطالحين ! ، وما أن يجد أحدهم أحد أصدقائه مصادفة و يقول له "بورررررة " حتى ترتسم على محيا الأخير أبتسامة عريضة كمن تلقى نبأ نصر مبين !

أما "قاتك جاهز " ، تلك شيء آخر، تجعلك تشعر أنك قائد ذلك النصر!، عذراً ماركس "القات" أفيون اليمنيين حتى الملحدين منهم و الذين باتوا اليوم في تزايد هنا في هذا الفضاء الافتراضي، غداً بلا شك سيكونون أكثر وفي الواقع ، نعم سيصبحون كذلك إذا ما تعقل التدين المسلح!

وسط غرفة صغيرة شرق سعوان هذه المنطقة التي كانت قبل سنوات قليلة مجرد أحراش مقفرة جرداء واليوم باتت مكتظة بالمنازل العالية الفاخرة، انها الحرب مصائب قوم عند قوماً فوائدُ، أقتعد زاوية هرمة متآكلة ، أمضع قاتي ذو الجودة الرفيعة للمرة الأولى و البركة في "البورة" ! ، أشعر بأضراسي تعيش الدهشة والانبهار !

غرفة صغيرة لها بالقرب منها حمام متسخ، لكنه ليس متسخاً مثل حمامات المساجد، المدارس، الجامعات، الحدائق، و المستشفيات التي تدخلها مصاب بصداع وتخرج منها موبوء بالكوليرا أو ما هو أخطر من ذلك !

يا قوم جيل المستقبل لم يعد "يعملها" في الأمكنة المخصصة لها، بات يكتفي بخلف الأسوار، بالتحديد تحت شعار " النظافة من الإيمان " فعلاً أنه جيل المستقبل!

غرفة صغيرة بالإيجار أتشارك مع اثنان من الزملاء فيها ، نعم حمامها متسخ لكنه لم يكن ولن يكن متسخاً كقلوب و عقول السياسيين و رجال الدين في هذا الوطن على حد تعبير أحد الاصدقاء!

منذ مجيء الهواتف الذكية ومواقع التواصل الإجتماعي وانتشار الوايرلس في الطرق والحارات لم تعد مساءات "البروليتاريا " مساءات كئيبة وموحشة كما كان عليه الحال قبل ذلك ، "البروليتاريا" الطبقة العاملة الكادحة في قاموس الاشتراكية ، أنا واحد منها،

أدوس في فمي وريقات تلو أخرى ألوكها بهمة أمتص عصارتها في نشوة عالية ، أرهف السمع ، أصغي إلى صوت يأتيني من الأعماق هامساً في أذني : في خضم ضجيج أصوات النشاز من حولك، عليك أن تقرر أين تريد أن تكون فكرياً و روحياً ، و قبل أن تقرر ، عليك معرفة ما معنى التطرف ؟

يستمر في حديثه ناقلاً عن أحد المفكرين قوله في التطرف : هو إيمان الشخص بحقيقة واحدة مطلقة، وما سواها باطل، وقد تكون تلك الحقيقية.. كتاب، شخص، عرق، فكر، أرض!

أستمع إليه كلماته تضيء ما حولي، يسترسال في حديثه قائلاً : شيء كهذا لم يعد له مجال في حياة اليوم، حياة التنوع الاجتماعي و الثقافي و السياسي حياة المساواة والمواطنة ، يضيف متحدثاً أن الحياة لم تتطور في البلدان التي نراها اليوم متقدمة إلا بعد أن حطمت قاعدة التطرف، قاعدة الاحتكار والاستئثار لكل شيء في مجالات الحياة، كلماته أعادت لي وعي، شعرت بدفء يسري في عروقي يضاعف من نشوة تلك الوريقات في فمي، هكذا الآن أنا وهكذا ساظل دوماً أكتب للحياة وللجمال، فليذهب الطائفيون والرجعيون والعنصريين إلى الجحيم ما ينتمي للحياة سيبقى والطارئون سيموتون فجأة كما ولدوا فجأة من رحم المؤامرة.

المجد للعقل و الإنسانية .

 

فنون وتشكيل

محطات إبداعية