774عماد البليك

يربط بعض الفلاسفة بين مفهوم الفن والأدب والشرّ، من حيث أن إنتاج المتخيل الذي يحاول أن يُعلي من قيمة الإنسان وفحواه في هذا العالم، لابد أن ينبش الشر ليحيي الخيرية والجمالية. وكما قال الشاعر العربي "الضد يظهر حسنه الضد".
من هذه "الضدية" فإن الشر هو مفتاح إلى إدراك الأدب الإنساني، أو بالأحرى كتابته أو فهمه بالمعنى النقدي والعميق. فالكتابات التي تجد تقاطعًا مع القارئ عبر العصور، هي التي تنسف المجتمع وتقاوم بنائيته نحو تشريخه وقصّه وتمزيقه.. لاحظ مفهوم الـ "قصّ" – قصة -.. أي التمزيق والقطع.. ليبدو عاريًا وقبيحًا، فهي لا تمجد ولا تحتفي ولا تكتب الخير. إنما تكتب الشر، ومن خلاله تبرز الجمال والخير.
وقد قال الشاعر السوداني محمد المهدي المجذوب متسائلًا: "أيكون الخير في الشر أنطوى؟!"، فهو يشير إلى تلك الروح الشريرة الحبلى بالخير، لكن هذا التفسير يجب أن لا يقود إلى الواقع بل التخييل، أي أن فهمه يكون من خلال الأدوات الجمالية والفنية والأدبية وفنون المسرح والسينما والتشكيل وغيرها، وليس من خلال الممارسات على أرض الواقع، فالشرير لا يمكن أن ينطق بالخير أبدًا إلا من خلال المرمزات والدلالات التي يقدمها، وحيث هناك تصورات صوفية أو غنوصية تحاول أن تعيد تركيب صورة العالم في فكرة الشر والخير، كما في القصة شديدة التعقيد والالتباس، للرجل الصالح الذي صحبه موسى؛ الواردة في سورة الكهف من القران، وبالتالي فالأمر سيبدو أكثر تشاكسية وتعقيدًا في التفكيك والرؤية، بحيث أن متخيل العالم هناك يصبح واقعيًا.
بأي حل لا يمكن لأي فلسفة أن تبرر الشر فعلًا أو تتبناه كقيمة وجودية، فالعنف مرفوض وايذاء الناس الآخرين وحتى اللفظ، فالعنف اللغوي والكلامي قد تم تحريمه على مستوى الديانات، دعك أن يصل الأمر إلى أشكال العنف البدني، في المقابل تفتح فلسفة الشر في الأدب الطريق إلى الرؤية المضادة، بأن الشرير كائن إيجابي من خلال معطياته التي يمنحها لنا لكي نرى العالم بوجهة جديدة غير مألوفها.
عند الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، الذي اشتغل على موضوعات الشر، وعلاقته بالإبداع، سوف يبدو الفنان والأديب كائنًا شريرًا ومحرضًا على العنف والرذيلة، فهو إنسان مشروخ الذات ينطلق من عذاباته ليوقد النار في العالم من حوله، لكن هل هذه هي الحقيقة المباشرة، عندما يتمسك بها السذج ومضادي الفنون الذين يعايشون بالرؤى السطحية معنى الأدب بأنه مرذلة ودعوة للفشل اجتماعي ويحاولون بالتالي استبداله بصيغ مبتدعة كالفن الداعي للخير أو الجمال من مدارس الأدب تسمي نفسها "الأدب الإسلامي"- مثلًا، التي ترفض الجنسانية و"اللاأخلاقية" في الأدب وتحارب التفسخ كما تزعم، في حين أن هذا التصور، يصبّ في تصوره العميق في دعم الشر بدلًا من أن يكون داعمًا للخير، لأن الخير المطلق ليس له من وجود في العالم، والإنسان هو ذلك الكائن المزدوج في كل خواصه، إنه لاأخلاقي بإمتياز، خارج حدود أي قانون، إلا ساعة يأتي الضبط بأي شكل كان عبر قيمة الوعي والتعقلن. وكما يرى ريكور فإنه في الواقع فإن الأخذ برمزية الشر هي إطار فلسفي، يؤدي إلى بناء العالم الأخلاقي وليس العكس.

فنون وتشكيل

محطات إبداعية