FullSizeRender 1عندما تنتهي من قراءة رواية "هياج الأوز" لسليم بركات وبعد أن تكون قد دونت في خيالك ما يزيد عن مئة اقتباس من صفحات العمل.. لا بد ان تسأل نفسك لماذا يرتكب كاتب كبير كبركات مثل هذه القصة المتشابكة والمعقدة بكل سلاسة ووضوح، ولماذا لم يؤديها بشكله المعروف؟ حتى أنه ترك أرقام هواتف الشخصيات الرئيسية للعمل في احدى صفحات الرواية؟؟
وفي عدة محاولات لإصابة الهدف وأنت تتنقل بين فصولها الثمانية تقول ربما ليتحدث عن هامش الحرية المتاحة للنساء في السويد؟ أو ربما ليبدد شيئا من شوقه العميق إلى موطنه، شوقه الخاص وشوق الكردي السوري إلى قامشلو بشكل عام؟ أو ربما للتعبير عن خليط معقد داخله حول العقائد والأديان والهويات المتشابكة والمتداخلة بعجائبية تفوق قدرة الواقع على احتمالها أحيانا؟
فهياج الأوز ليست كمثل رواياته السابقة، فقهاء الظلام، الأختام والسديم، وغيرها..، فهي حكاية متراصة مترابطة ذات بداية ونهاية وشخوص بأسماء حقيقية وأحداث مرتبطة بمكان وزمان، أكد من خلالها بركات على أنه حكّاء ماهر مترف الادوات، واسع المخيلة، بل ربما يكون على روائيين عرب كثر أن يحاولوا الوصول إلى شيء من حرفته اللغوية والنفسية في هذا العمل وأعماله السابقة.
ففي السويد وفقا لعوالم هذا الروائي يهيج الأوز الكردي، ليجد امامه مؤخرات سوداء كبيرة لدرجة أنها تجعل من الصعب التصديق بوجود مجاعات في افريقيا.. وفي السويد يسأل الشخص المهاجر حين يقدم طلبا للجوء إن كان أكل ثوما، فيرد بان هذه وقاحة من المحقق وأن الغرباء يعشقون القبل برائحة الثوم، حتى أن بعض المهاجرين قالوا لمحقق فنلندي تجرأ على طرح مثل هذه الأسئلة باستخفاف: إن السويدين الذين احتلوا بلادكم لزمن طويل لا يحتقرون الثوم فلماذا تحتقرونه أنتم؟؟
في السويد سيدة كردية اسمها "تاسو" تقود معركة خاسرة لتغيير اسم الشارع الذي سكنت فيه والذي سمي لفترة طويلة باسم سويدي رفيع إلى اسم كردي هو "ولي القشدة" هذه السيدة مثل كل الكرديات خرجت من رحم أمها أبا لا اما، وهي كشاعرة تبدأ حديثها مع رفيقاتها باستمرار من حيث لا تعرف وتنهيه بذات الطريقة البائسة؟
وكلما مصت تاسو سيجارة أو لفافة تبغ ارتعش شيء في فخذها اليسرى، وقالت لصديقاتها: التدخين قلم يكتب شيئا يا مطلقات الله؟؟
تاسو تأكل البامية التركية، ولا تأكل البامية المصرية التي يبدوا أنها قطفت من أيام الفراعنة، لكنها تتسائل أيضا : من أي حقل في وطن الأكراد الضائع قطفت الشركة التركية البامية التي تصدرها معلبة للسويد؟ وتتساءل أيضا عمن يشترون الأراضي السورية بذهب السويد؟ وتقول : كلنا ولدنا لصوصا أو غزاة؟
اما "سلام" النصف كردية ونصف ايرانية فتعمل أيضا مترجمة بين اللاجيئين إلى السويد والمحققين معهم، هي فتاة قادتها اللغة الانجليزية من عفرين إلى جامعة حلب ثم الى السويد، تعتقد أن الاسكندر ذو القرنين الذي مات ولم يبلغ الثلاثين من عمره قد مر من سوريا، وتقول: قدمت اعتذارا بالكردية من المرسى السحيق لكلمات لم تجرف أية ريح حروفها إلى بولندا، قد يكون استثناء أن جنديا كرديا في الجيوش العثمانية أطلق صرخة ما من تخوم بلغاريا في اتجاه بولندا؟
وتجيبها صديقتها مستغربة كونها نصف كردية ونصف فارسية: هل تعنين أن أمك دست منوما في شاي أبيك وغادرت من عفرين إلى أصفهان لتأتي بك بذرة في منديلها؟؟
أما "زنتانا" فتقول إن الرجل قد يدعى حورية في الجنة أيضا؟
فيما قالت "درخو" لتاسو (صفحة 80) إن لديها تأييدا بتغيير اسم الشارع من مليون كردي أرسلوا لها رسائل عبر بريدها الالكتروني ولكن أحدا منهم لم يظهر في المظاهرة التي خاضتها في الشارع وحيدة وتعرضت خلالها للشتم والضرب من مئات الصوماليون الذين احتشدوا في الموقع الذي أعلنته ليسرقوا فكرتها محاطين بوسائل إعلام مشبوهة؟
حلم النزوح الكردي لم يتوقف عند السويد، فشتولا قالت لدرخو التي تخطط للهروب من السويد : سنهرب جميعا معك، ونكون طلائع الشعب الكردي التي تهاجر إلى كل مكان؟ صفحة 83
الـ 130صفحة الاولى من رواية "هياج الأوز" وهي أول رواية "واضحة" لسليم بركات تدور حول عدة فتيات كرديات مجتمعات في منزل واحدة منهن، وجميعهن يعملن مترجمات لدى دائرة الهجرة السويدية، أحاديث النساء الكرديات جريئة مليئة بالألفاظ القوية الفاحشة التي تعبر ربما عن حرية كبيرة، لم يحزن مثلها في البلاد التي جئن منها، النساء مطلقات وتائقات للحب والجنس ، حديثهن مليء بالرموز والإشارات (الكرد، الاتراك، الإيرانيون، أوروبا، السويديون، سوريا..) وفي العمق هناك تفاصيل لقضايا اللجوء الإنساني ومحاولة هروب الكردي من مصيره؟
حديث عن الملابس الداخلية وتغيّرها لتصبح فاضحة أكثر، عن التدخين بشراهة وجنون وشرب الكحول بنهم والأكل النباتي والحيواني وحديث عن الانتحارييين .. وكانهن شاهدات على أديان العالم الجديد : اللواط والسحاق أكل النبات لا غير وعمليات التجميل والتنحيف التي تريد أن تغير كل إمراة بها نفسها لتصير عارضة أزياء؟
حديث عن هامش الحرية الشخصية الكبير في اوروبا وعن الشرطة السويدية "المهذبة" وتحقيقاتها التي لا تقوم إلا على القرائن؟
وحديث عن شعور إحدى الفتيات بالسعادة العارمة التي تشعر بها تجاه حياتها لتقول: أنا سعيدة كعجلة صغيرة في يوم ميلادها الثامن والثلاثين .. أنا سعيدة كالسويد، وتضيف: أعطوني سلما لألتهم غيوم هذا البلد؟
القسم الثاني من الرواية هو حول شخصيات ذكورية قريبة من السيدات يقومون ببيع اجسادهم للمطلقات ذوات الدخل المادي المرتفع بالثمن المناسب؟
صفحة 250 يقول بركات هاجيا عمال تركيب الصحون اللاقطة الأجانب الذين عجزوا عن التقاط اشارة محطة كردية وفشلوا في تركيب صحن لإحدى السيدات بسبب شجرة عالية: صحون لاقطة مثبتة على ظهور كلاب سلوقية في مدينة قامشلو تفعل أفضل من هذا؟
وفي صفحة 261 يكون أول دخول للقصيدة عبر عوالم الرواية.
ينزل بركات في هذه الرواية إلى ما يظن أنه مستوى القارئ العادي مع ذلك تظل لغته رشيقة شعرية وعميقة جدا، يقول صفحة 279 : سآكلها افطارا وغداء وعشاء، سأتخيل أن بعضها قشدة حلوة، فآكلها بين الوجبات الثلاث وإن تبقى بنطال ما، فائضا، سأسهر معه الليل كله أسرد له حماقة أن يولد الانسان إمراة؟
وفي صفحة 258 يقول: أأنت حاقدة على نفسك إلى هذا الحد يا تاسو لكونك إمراة.. إنك مقياس خطأ العلوم كلها، يالتعاسة جسدك المواطن في جمهورية عقلك؟؟
السويد في عوالم هذه الرواية مرادفة لكل من المعاني التالية: البطالة، القروض، الخيانة، الانتقام، البذخ، العبث، الديون، اللعب بالكلمات المنمقة، المجد، العدالة، الترجمة، الأرق، الخيبة، الهجرة، الأمانة، الموت، وكلها معاني حاول الروائي اخفائها عميقا داخل متن العمل وخلف الحكاية؟
في صفحة 310 تقول تاسو بعد ان خرجت حشرجة من صدرها وهي ترى مئات من القراصنة يحاولون سرقة فكرتها: لن تنهبوا فكرتي يا قراصنة الصومال؟
وفي صفحة312 يعود بركات ليخرج رصيدا مريرا من الحرقة على سوريا متغزلا ببطيخها فيقول: بطيخ الشهر الأول من الخريف مترف بحلاوته في الشمال السوري؟ وكأن بركات خلال هذه الصفحات الثلاثمئة الشاقات يتساءل بمرارة قائلا: من فعل هذا بالأكراد والسوريين؟

فنون وتشكيل

محطات إبداعية