nouri2الخوف من الجديد عنوان راسخ في ثقافتنا العربية. فمع كل حدث لا سابق له، أو ظاهرة جديدة، أو اختراع متقدم مبتكر في العالم تقفز الشياطين في وجه العربي، وتصرخ الذات الخائفة على إرثها وقيمها وما قرّت عليه من صيغ ومقولات، لتعاند الجديد محاولة استبعاده وإنكاره، ومرات محاصرته بلغة “التشكيك” و”التكفير”، ثم فجأة تستسلم له مهزومة ومقهورة أمام وجوده الجامح المفروض بقوة الواقع وقوانين السوق والعصر، من دون أن تتوقف هذه الذات المرتعدة أمام لغة المستقبل وأدواته المبتكرة عن الشكوى جرّاء غربتها الوجودية بإزاء سطوة الجديد.

ذلك شأن الذات الخائفة من عصرها، المتقوقعة على وسائلها المتقادمة، والمستهلكة رغما عنها للظواهر الجديدة، من دون أن يكون تكيّفها مع الجديد الحادث اختيارا عقلانيا دائما، وإنما يكون خضوعا واستسلاما لسلطة الظاهرة من قبل مستهلك وطّن نفسه على حراسة الماضي، ولا شأن له بالمستقبل. وبالتالي لم تكن -ولن تكون له في المدى القريب- يد في ما يستهلك من أدوات العصر، ولا قسط حقيقي من المعرفة بجوهر ما يستهلك، وإمكاناته القصوى القائمة على قوة العلم.

يبدو الخوف من الموبايل لدى فئات واسعة من المجتمعات العربية عنوانا مستجدا للخوف المزمن من الجديد. فها هو ذا ابتكار داهم تصب عليه العائلات العربية اللعنات ليل نهار لما أدخله على حياتها من فوضى ثقافية عصفت بالبيت وطمأنينته، واستولت على أفراد الأسرة من الطفل إلى الشيخ.

***

منذ أن لوح ستيف جوبز بيده في ذلك المؤتمر الصحافي ذات يوم من أيام العقد الثاني من الألفية الثالثة من هذا القرن الجامح، مستعرضا علبة صغيرة أكبر قليلا من علبة السجائر وأرق منها، والعالم يخطو بسرعة البرق من محطة إلى أخرى مع جهاز سحري ما قبله شيء وما بعده شيء آخر. حدث نسف لغة الماضي وأخذ يغير كل شيء في علاقة إنسان العالم بذاته وبالآخر وبالمعرفة وبمجمل المنظومة التي تشكل حياته اليومية. إنه المارد الذي سيضع نفسه في خدمة الجميع، في الوقت نفسه وفي كل مكان، ويلبّي طلباتهم كلّ على حدة. سيكون الآمر المطيع، وحلقة الوصل للأفراد والمجموعات. الحياة قبله تاريخ له طبيعة، وبعده تاريخ له طبيعة أخرى مختلفة تمام الاختلاف.

***

نعود إلى صراع الذات العربية مع ذاتها، في مراوحتها المأسوية بين ماض لا يمضي وحاضر يعاند المستقبل، لنتأمل في جوهر هذا الصراع؛ كيف نقرأه ونقرأ تلك الاستنامة إلى الماضي والركون إلى صيغه المتقادمة، لنفهم أسباب تلك المكابرة التي تجعل من العربي شخصا يمشي إلى الأمام، ورأسه متجهة إلى الخلف!

ولكن كيف نترك أنفسنا نستغرب عندما نتذكر كيف أن شرائح واسعة من المتعلمين العرب أخذت على مدار عقدين من السنوات، وحتى وقت قريب تبذل الوقت والطاقة في إبداء تخوفات ليست في مكانها من النشاط الواسع لحركة الثقافة عبر التكنولوجيا؟

***

أول الأمر عبّر المثقفون العرب، بلغة رثائية، عن قلقهم على حياة الكتاب الورقي، وهو ما جعلهم يتوجسون طويلا من فكرة النشر الإلكتروني، ولا ضير في فهم أسباب هذا التخوف، لكن كيف يمكن لنا أن نقبل مواصلة البحث عن مبررات للاستغراق فيه. عندما لا مناص من التعامل مع لغة العصر؟

من تأمّلي الشخصي في فكرة علاقة الثقافة بالتكنولوجيا والتحول المستجدّ الذي تشهده الثقافات في علاقتها بأدوات الاتصال ووسائله الحديثة، يبرز لدي تساؤل أستطيع الآن أن أفكر فيه بصوت عالٍ: ممَّ نخاف؟ وعلى ماذا نخاف؟ أعلى الكتاب وشكله أم على القراءة؟ وما الذي يمكن أن يتراجع، عمليا، إذا كان هناك تراجع، حضور الكتاب أم حضور القراءة؟

***

من تاريخ الكتابة نعرف أن الكتاب مرّ بأطوار عديدة فهو لم يكن منذ الأزل ورقيا، فقد سبق وكان طينيا وحجريا و(برديا) وجلديا، إلى أن جاء وقت وتطور فأصبح ورقيا.

لعلّ بعضنا يعيش، اليوم، محنة نوستالجية تشبه محنة قارئ قديم يودع الرقم الطينية ويستقبل الكتاب الورقي في صيغته المبكرة بشيء من الأسف والأسى على ما اضطر إلى تركه. هناك باستمرار في تاريخ الناس شيء من الفقد وشيء من الأسف على ما نترك ونهجر، فألفة الشيء تورث الفزع من تركه، والتوجس من كل جديد. وتحوّلنا اليوم من الورق إلى تكنولوجيا الإنترنت والأوعية الأجدّ يكاد يكون محكوما بشيء من هذا الفزع وذاك الأسى على ما أخذنا نهجر من الوسائل بفعل التطور. وإن كنت، شخصيا، أشك في أن الكتاب الورقي سيختفي بفعل ظهور تكنولوجيا الإنترنت، بل أكاد أقول إنه سينتشر أكثر فأكثر بفعل الدعاية الواسعة التي يمكن أن توفرها للكتاب شبكة الإنترنت.

في نظري أنه ما لم يظهر الكتاب الإلكتروني مستقبلا بمواصفات أكثر إغراء (من الناحيتين العملية والجمالية) من الكتاب الورقي، فلا خوف على الكتاب، بل إن انتشاره سيعم أكثر. وسيظل لأصحابه خير جليس.

***

ما ينبغي أن نخاف عليه، حقيقة، ليس شكل الكتاب وإنما طبيعة علاقتنا بالقراءة، وليس الصيغة التي تقدّم لنا المادة المعرفية وفقها، وإنما القراءة نفسها. فالمهدد اليوم من قِبل الصورة مقابل الكلمة ليس الكتاب الورقي وحسب، وإنما حتى الكتاب في الإنترنت. وما أراه أن الكتاب في حالتيه الورقية والإلكترونية هو جسدٌ متصل لا تناقض أو تناكر بين الشكلين المتاحين له. المشكلة الحقيقية هي في ثقافة الصورة بالمعنى الاستهلاكي، والتي تقدمها الفضائيات والإعلانات والسينما والسبل الأخرى لانتشار الصورة، وخصوصا عبر الموبايل.

المهم في النهاية ألّا تُهدَّد القراءة، فالشكل عبر التاريخ كان متحولا وهذا شيء بديع وليس مفزعا. التطور الحديث الذي وفّر لنا تكنولوجيا المعلومات هو تطور لصالح المعرفة وليس ضدها، فأنت تستطيع اليوم بمبلغ زهيد أن تحصل على مكتبة من آلاف الكتب عبر الموبايل. وهذا تطور مذهل قياسا إلى ما كانت عليه الحال في الماضي القريب جدا. فأنت لا تستطيع أن تحمل معك مكتبة من آلاف الكتب متنقلا بها حيثما ذهبت، ومستفيدا مما فيها أينما كنت، إلا بفعل هذا التطور ومعطياته التي باتت تتيح لك قراءة الكتاب بأي حرف تريد، وتمكّنك من أن تقرأ الكتاب وقد دخل عليه الصوت والموسيقى، ناهيك عما تستطيع الحصول عليه من معلومات إضافية جمّة على هامش قراءتك الكتاب الذي تقرأه إلكترونيا.

ولنفترض أنك تطالعُ كتابا أو رواية تدور حوادثها في شيراز وتريد معلومات أخرى إضافية عن هذه المدينة فبكبسة زر على الكلمة سوف تتمكن بواسطة الإنترنت من الدخول إلى حقل تقرأ فيه معلومات عن المدينة ليست موجودة في متن الكتاب، بل وتتجول في شوارعها. أيّ جمال هذا وأيّ سحر.

التطور الحديث يتيح لنا إمكانات معرفية جمة في وقت أقلّ، وبالتالي، فهو يتيح لنا تجاورا بين قارئ للكتاب الورقي وقارئ للكتاب الإلكتروني. إذن نحن بإزاء ثورة علمية علينا استيعابها والأخذ بمعطياتها، وعدم التأخر عن التعامل مع ما تحمله إلينا من جديد.

***

وبينما نحن نتابع تطور علاقة الثقافة بالتكنولوجيا، علينا ألّا نرى تناقضا سلبيا في هذا اللقاء، فهو يتيح، بالنسبة إلينا، زواجا بين ذاكرتنا ومستقبلنا، بين زمنٍ يتوارى وزمن يتسيّد، وعلى ما في هذه المعادلة من عناصر مؤلمة، إلا أن تجارب الإنسانية تؤكد أن لا جديد يخرج إلا من رحم القديم، ولا لاحق بلا صلةٍ بسابق. نحن بإزاء وسائل مستجدة لانتشار الثقافة جِدَّتها لا تمنع من إمكان استعمالها بطرق وأهداف نترسَّمها بأنفسنا، ونريد لها أن تتحقق في مواجهة التحديات التي تمليها على البشر سنّة التطور. المهم، بداهة، هو كيف نستعمل التكنولوجيا؟

***

كل ما يمكن أن يحدث على الأرض يمكن أن يحدث بطريقة ما في الإنترنت. فالإنترنت، مجازا، أرضٌ وفضاءٌ مفتوحان. إنه العالم منعكسا في صور وخطوط ومناطق وموضوعات بلغة وإمكانات لا سابق لهما.

يخيل إليَّ أن ما يجرى، اليوم، على شبكة الإنترنت، وعبر الموبايل خصوصا، هو صورة من صور الانفتاح الواسع للثقافات والحضارات على بعضها البعض، وصورة، أيضا، من صور التسابق الحضاري، فهذا الواقع الافتراضي بات حقيقة قصوى، إنه أرض وسماء لحركة الفكر، ومناطق شاسعة محررة للعقل البشري.

فلنهجر الخوف، ولنتقدّم أماما جهة المستقبل.

عن العرب والجديد

فنون وتشكيل

محطات إبداعية