4270511-942540227أحمد سعداوي

في تلاحق الأخبار، وظهورها على وسائل التواصل الاجتماعي، حول الجرائم التي يندى لها الجبين الانساني، كما في حالة الجريمة النكراء ضد الشاب المراهق حمودي المطيري، نحن نقف وجهاً لوجه، وبشكل صادم أمام جزئيات في حقيقة ما نعيشه، ربما لم تكن بهذا الوضوح سابقاً.
توفر وسائل التواصل الاجتماعي امكانية الكشف والتعرية بشكل غير مسبوق لكل ما كان يتم تغطيته، إما بالمرشّحات الخاصة بالاعلام الرسمي المركزي، الذي يظهر شيئاً ويغطي أشياء أخرى، أو بسبب بعد الحوادث عن دائرة الضوء، جغرافياً ومكانياً، أو بسبب حالة التجاهل والانكار.
ويمكن إضافة سبب آخر مرحلي ومؤقت؛ يتعلق بأهمية الحدث قياساً بما هو أهم وأكثر اشغالاً للرأي العام، والدليل على ذلك أننا في سنوات العنف الطائفي ما بين 2005-2007 كنا نسمع عن حوادث عديدة تتعلق بجرائم قتل أو زيادة حالات الانتحار بين فئات الشباب. وقد كتبت عن هذا الموضوع تقريراً في 2007 لصالح وكالة ألمانية، وكيف أن الشباب صاروا يلجأون الى أقراص السم الفوّارة التي تستخدمها مديريات البلديات في قتل الجرذان في المجارير الكبيرة. لكن هذا الموضوع مر خفيفاً ودون إثارة ضجة فعلية، بسبب انشغال الناس بالقتل على الهوية الطائفية والتفجيرات المروعة التي تحدث كل يوم بشكل متواتر..
اليوم صرنا ننتبه لهذه الجرائم لأن الحرب الفعلية مع الارهاب قد انتهت نسبياً. وصرنا نرى ما تفعله عصابات الجريمة المنظّمة والجماعات المتطرفة التي كانت تعمل فيما سبق ولكن تحت ستار أحداث أكبر منها.
الحل الأمني وملاحقة هذه العصابات هو أمر حيوي ولا بد منه، ولكن هناك مشكلة أعمق وأكبر، فمن أين يأتي هذا التلذذ بتعذيب شاب صغير وتصويره وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، من أين جاءت هذه الوحشية البالغة؟ّ!
إنها ببساطة نتاج طبيعي لتراكم العنف على مدى عقود عديدة. ويعرف المتابعون أن جيل "فدائيي صدام" في التسعينيات الذين كانوا يقطعون رؤوس النساء بالسيف دون أن يرفّ لهم جفن، هو نتاج حرب الثمانينيات وتحوّل العنف الى ثقافة سائدة، أمعنت في استثارة البعد الحيواني الوحشي في شخصية الانسان العراقي.
كذلك فإن نتاج 15 سنة من العنف غير المسبوق بأشكاله، وانطلاق الوحش الداخلي للانسان وتحوّله الى قوة فعلية على الأرض، ووجود مسارب شرعية وقانونية في المجتمع لفعل ونشاط هذا الوحش، هو ما أدى الى وصولنا لهذه المديات من الوحشية والتلذذ بقتل وتعذيب الانسان.
.
في المجتمعات المستقرّة والواعية لا تمر حواث من هذا النوع دون فحص ودراسة، ومثلما يخضع الجندي الذي يعيش تجربة الحرب الى فحص نفسي لاحقاً ومتابعة علاجية، فإن مجتمعاً عايش كل هذه العقود من العنف والصراعات لهو بحاجة ماسة الى فحص ومراقبة نفسية.
الأجيال الجديدة بالذات التي تمارس هذا العنف غير المسبوق بحاجة الى علاج نفسي جاد، قبل أن يتحولوا الى مجرمين نطالب لاحقاً بالقصاص منهم.
ولكن، من المؤسف أن العلاج النفسي لدينا مرتبط دائماً بالمجانين، ونرى أننا أصحّاء ولا نحتاج إليه. غير مدركين أن هذا الانكار هو حالة عميقة من حالات الجنون الانساني والاخلاقي.

عن صفحة الكاتب بالفيسبوك

فنون وتشكيل

محطات إبداعية